الأمن الصحي يهز صورة المغرب وهذا ترتيب المملكة في إفريقيا

الأمن الصحي يهز صورة المغرب وهذا ترتيب المملكة في إفريقيا
تقارير / الإثنين 24 غشت 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو جاسر

كشف مؤشر الأمن الصحي الإفريقي لعام 2026 عن صورة متباينة لقدرة المغرب على مواجهة الأوبئة والتهديدات البيولوجية، بعدما حلت المملكة في المركز الـ22 قارياً من أصل 54 دولة، بمعدل بلغ 42.1 نقطة من أصل 100، في نتيجة تضعها بالكاد فوق المتوسط الإفريقي البالغ 41.5 نقطة.

وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، الصادر عن «مبادرة التهديد النووي» بشراكة مع مركز الأوبئة التابع لجامعة براون ومؤسسة «الإيكونوميست» للأبحاث، تقاسم المغرب المرتبة نفسها مع ساحل العاج، محققاً تحسناً قدره 4.3 نقاط مقارنة بنتيجته المسجلة سنة 2021، غير أن تفاصيل المؤشر تكشف أن هذا التحسن العام يخفي تفاوتاً صارخاً بين مجالات الأمن الصحي المختلفة.

واعتمد تقييم المملكة على ستة محاور أساسية، تتعلق بالوقاية من ظهور مسببات الأمراض أو إطلاقها، والكشف المبكر عن الأوبئة والإبلاغ عنها، والقدرة على الاستجابة السريعة واحتواء انتشارها، وقوة النظام الصحي، ثم الالتزامات الوطنية والتمويل والامتثال للمعايير، إضافة إلى مستوى المخاطر العامة والقابلية للتعرض للتهديدات البيولوجية.

وفي مجال الوقاية، لم يتجاوز رصيد المغرب 40.8 نقطة، متراجعاً بـ3.2 نقاط عن سنة 2021. وتوزعت النتيجة بين 45.8 نقطة في مقاومة مضادات الميكروبات، و31.7 نقطة في الأمراض الحيوانية المنشأ، و32.7 نقطة في الأمن البيولوجي، و16.7 نقطة فقط في السلامة البيولوجية، بينما كانت النتيجة الأكثر إثارة للانتباه هي تسجيل صفر نقطة في مجال البحث ذي الاستخدام المزدوج وثقافة العلوم المسؤولة. في المقابل، حققت المملكة 58.3 نقطة في التحصين وبلغت العلامة الكاملة، أي 100 نقطة، في التكيف مع تغير المناخ وانتقال الأمراض عبر النواقل.

أما في مجال الكشف المبكر والإبلاغ عن الأوبئة، فقد سجل المغرب واحداً من أبرز التحسينات، بعدما بلغ 45.8 نقطة، بزيادة قوية قدرها 13.8 نقطة مقارنة بـ2021. وشملت هذه النتيجة قدرات المختبرات وسلاسل الإمداد والمراقبة الفورية وشفافية بيانات الترصد والتحقيقات الوبائية والموارد البشرية المتخصصة.

غير أن الصورة لا تبدو بالقوة نفسها عندما يتعلق الأمر بالاستجابة للطوارئ، إذ حصل المغرب على 43.1 نقطة، رغم تحسن النتيجة بـ8.4 نقاط. وكشف التقرير عن اختلالات واضحة، أبرزها حصول خطط التأهب للطوارئ على 19.4 نقطة فقط، وتمارين محاكاة الاستجابة على 25 نقطة، فيما سجل مؤشر الربط بين السلطات الصحية والأجهزة الأمنية صفراً من أصل 100.

وفي المقابل، سجلت المملكة نقاطاً كاملة في مجال القيود المتعلقة بالتجارة والسفر، مقابل 73.7 نقطة في الولوج إلى البنية التحتية للاتصالات و50 نقطة في التواصل بشأن المخاطر.

وتبرز المفارقة الأكبر في محور النظام الصحي نفسه، الذي ظل أضعف حلقات الأداء المغربي، بعدما لم يتجاوز معدله 30 نقطة، رغم تحسنه بـ6.8 نقاط خلال خمس سنوات. وتكشف تفاصيل التقييم عن أرقام ثقيلة، إذ لم يحصل المغرب سوى على 3.7 نقاط في سلاسل إمداد النظام الصحي والعاملين، و16.7 نقطة في التدابير الطبية المضادة ونشر الموارد البشرية، و41.1 نقطة في الوصول إلى الرعاية الصحية، بينما سجل صفراً في التواصل مع العاملين الصحيين أثناء حالات الطوارئ.

في المقابل، بلغت نتيجة ممارسات مكافحة العدوى 66.7 نقطة، فيما حصلت القدرة على اختبار واعتماد التدابير الطبية الجديدة على 50 نقطة، بما يعكس استمرار فجوة بين بعض عناصر المنظومة الصحية وقدرتها على التعامل المتكامل مع الأزمات الكبرى.

وفي محور الالتزامات الوطنية والتمويل والامتثال للمعايير، حصل المغرب على 41 نقطة، متراجعاً بـ1.9 نقطة مقارنة بالنتيجة السابقة. وسجلت المملكة 50 نقطة في الإبلاغ وتقليل مخاطر الكوارث، و50 نقطة في الاتفاقيات العابرة للحدود، و37.5 نقطة في الالتزامات الدولية، بينما حصلت على صفر نقطة في التقييمات المشتركة. وبلغت نتيجة التمويل 41.7 نقطة، مقابل 66.7 نقطة في الالتزام بتقاسم البيانات والعينات البيولوجية والجينية.

أما المجال الذي حقق فيه المغرب أفضل نتيجة فكان البيئة العامة للمخاطر والقابلية للتهديدات البيولوجية، بمعدل 52.1 نقطة، بزيادة 2.1 نقطة عن 2021. وتوزعت النتيجة بين 50.1 نقطة للمخاطر السياسية والأمنية، و61 نقطة للقدرة على الصمود الاجتماعي والاقتصادي، و58.3 نقطة للبنية التحتية، و45.8 نقطة للمخاطر البيئية، و45.5 نقطة لمواطن الضعف المرتبطة بالصحة العامة.

وعلى مستوى القارة، جاءت جنوب إفريقيا في صدارة الترتيب بـ62.76 نقطة، متبوعة بالسنغال بـ60.29 نقطة ثم مصر بـ58.57 نقطة، بينما حلت نيجيريا وأوغندا في المركزين الرابع والخامس على التوالي.

وفي الطرف المقابل، تذيلت غينيا الاستوائية التصنيف بـ21.37 نقطة، خلف غينيا بيساو والكونغو برازافيل وساو تومي وبرينسيبي وجمهورية إفريقيا الوسطى والغابون وبوروندي وتشاد.

ومع ذلك، يؤكد التقرير أن الأمن الصحي الإفريقي ككل قطع مسافة مهمة منذ 2021، بعدما ارتفع متوسط القارة من 32.4 نقطة إلى 41.5 نقطة في 2026، كما سجلت 52 دولة من أصل 54 تحسناً لا يقل عن نقطة واحدة.

وكان مجال الكشف المبكر والمراقبة صاحب أكبر قفزة، بعدما ارتفع المتوسط الإفريقي فيه بـ20 نقطة ليصل إلى 46.2 نقطة. كما تحسن متوسط الوقاية إلى 31.1 نقطة، بزيادة 9.3 نقاط خلال الفترة نفسها.

لكن التقرير يضع في الوقت ذاته إصبعه على مكامن الخطر، محذراً من أن تطوير قدرات المراقبة والمختبرات لا يكفي إذا لم يواكبه استثمار موازٍ في السلامة والأمن البيولوجيين. كما يلفت إلى هشاشة التمويل، بعدما توقفت 18 دولة إفريقية عن تقديم أدلة علنية على التزاماتها التمويلية في مجال الأمن الصحي، في مقابل ظهور أدلة جديدة على التزامات تمويلية في سبع دول فقط.

وتكشف المعطيات أيضاً أن 52 دولة إفريقية تتوفر على مراكز لعمليات الطوارئ، لكن ثماني دول فقط تمتلك آليات لتتبع مواقع المنشآت التي تتعامل مع مسببات الأمراض الخطرة، وهو ما يبرز فجوة حساسة في منظومة الاستعداد القاري.

وبالنسبة إلى المغرب، فإن المركز الـ22 لا يمثل انهياراً في الترتيب، لكنه لا يسمح كذلك بإخفاء نقاط الضعف التي ظهرت بوضوح في النظام الصحي، والتمويل، والسلامة والأمن البيولوجيين، والتنسيق أثناء الطوارئ. وبينما نجحت المملكة في تحسين قدرات الكشف والمراقبة والاستجابة مقارنة بسنة 2021، فإن أرقام المؤشر تشير إلى أن معركة الأمن الصحي لا تزال مفتوحة، وأن قوة الإنذار المبكر لن تكون كافية وحدها إذا ظلت قدرة النظام الصحي على تحمل الصدمات والأزمات الكبرى محدودة.

فالرسالة الأبرز التي يحملها التقرير لا ترتبط بالترتيب وحده، وإنما بمدى قدرة الدول على تحويل الاستثمارات والإصلاحات إلى منظومة متماسكة تستطيع منع الخطر، اكتشافه مبكراً، ثم مواجهته بسرعة عندما يتحول إلى أزمة. وفي هذا الاختبار تحديداً، يبدو أن المغرب حقق تقدماً، لكنه ما زال أمامه طريق طويل قبل الوصول إلى مستوى الأمن الصحي القادر على مواجهة الوباء المقبل دون اختلالات مكلفة.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك