أنتلجنسيا:أبو جاسر
رغم الامتيازات الجمركية الواسعة التي منحتها الدولة لمستوردي اللحوم الحمراء، ما تزال جيوب المغاربة لا تلمس أي تراجع حقيقي في الأسعار، في مشهد يثير الكثير من علامات الاستفهام حول مصير الإعفاءات الممنوحة ومدى انعكاسها الفعلي على القدرة الشرائية للمستهلكين.
ومع بداية وصول شحنات اللحوم الجاهزة المستوردة إلى عدد من محلات الجزارة، كان المنتظر أن تشهد الأسواق انخفاضاً ملموساً في الأسعار، غير أن الواقع سار في اتجاه مختلف، حيث ظلت أسعار اللحوم الحمراء عند مستويات مرتفعة، بينما تتحدث مصادر من القطاع عن اتساع هامش الأرباح على امتداد سلسلة التسويق من المستورد إلى نقطة البيع النهائية.
وفي الوقت الذي راهنت فيه الحكومة على الاستيراد لتخفيف الضغط على السوق الوطنية، ما يزال سعر لحم البقر في العديد من المناطق يتجاوز عتبة 100 درهم للكيلوغرام، فيما لم تتجاوز التخفيضات المسجلة لدى بعض الجزارين بضعة دراهم فقط، تتراوح غالباً بين 5 و10 دراهم للكيلوغرام الواحد.
هذا الفارق المحدود بين أسعار اللحوم المحلية والمستوردة دفع متتبعين إلى التساؤل حول مدى استفادة المستهلك النهائي من الإعفاءات الضريبية والجمركية التي أقرتها السلطات، خصوصاً أن الهدف المعلن من هذه الإجراءات كان تقليص الأسعار وتوسيع العرض داخل السوق.
وفي محاولة لمواصلة دعم التموين وضبط الأسعار، قررت الحكومة تمديد العمل بإجراء تعليق استيفاء رسوم الاستيراد على الأغنام الحية ولحوم الأبقار والأغنام والماعز والإبل إلى غاية 31 دجنبر 2026.
وجاء هذا القرار في إطار المرسوم رقم 2.26.584 الصادر بتاريخ 23 يوليوز 2026، والذي تضمن أيضاً تحديد رسم الاستيراد المطبق على أحشاء الأبقار والأغنام والماعز والإبل في نسبة 30 في المائة.
كما أوضحت إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، في دورية موجهة إلى مختلف مصالحها، أن تعليق الرسوم الجمركية يشمل عدداً من المنتجات الحيوانية واللحوم المستوردة وفق البنود التعريفية المعمول بها، مؤكدة أن هذه التدابير دخلت حيز التنفيذ منذ 27 يوليوز الماضي وستظل سارية حتى نهاية السنة المقبلة.
غير أن استمرار الأسعار في مستوياتها الحالية يضع هذه الإجراءات تحت مجهر النقاش، خاصة أن المستهلك المغربي كان ينتظر أن تؤدي الإعفاءات إلى تراجع واضح في أثمنة اللحوم، وليس الاكتفاء بفوارق طفيفة لا تعكس حجم التسهيلات الممنوحة للمستوردين.
ويبدو أن الفجوة بين تكلفة الاستيراد بعد الإعفاءات وبين السعر المعروض للمستهلك أصبحت أحد أبرز الأسئلة المطروحة داخل السوق، في ظل اتهامات غير مباشرة بوجود هوامش ربح مرتفعة تستفيد منها حلقات التسويق المختلفة دون أن ينعكس ذلك بالشكل المطلوب على الأسعار النهائية.
وفي وقت تواصل فيه الحكومة الدفاع عن خيار الاستيراد باعتباره وسيلة لضمان وفرة اللحوم وكبح الغلاء، يرى عدد من المهنيين والمتابعين أن نجاح هذه السياسة لا يقاس فقط بحجم الكميات المستوردة، بل بمدى وصول أثرها إلى المواطن الذي ما يزال يواجه أسعاراً مرتفعة رغم كل التسهيلات والإعفاءات الممنوحة.
وبين وعود خفض الأسعار وواقع الأسواق، تبقى اللحوم الحمراء عنواناً لجدل متواصل، حيث تتدفق الشحنات المستوردة إلى البلاد، وتتواصل الإعفاءات الجمركية، لكن الأسعار لا تزال تقاوم النزول، في مشهد يفتح الباب أمام تساؤلات متزايدة حول المستفيد الحقيقي من هذه العملية برمتها.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك