أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)
قبيل أسابيع قليلة فقط من موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، فجّر تسجيل صوتي منسوب لرشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب وعضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، نقاشاً سياسياً واسعاً حول ما يجري داخل الحزب الذي يقود الحكومة، بعدما كشف عن مؤشرات توحي بأن هاجس ما بعد الانتخابات بات يطغى على حسابات قيادته أكثر من الثقة في تحقيق فوز مريح يضمن له الاستمرار في موقع القوة.
وبحسب مضمون التسجيل المتداول، لم يخف الطالبي العلمي انزعاجه من احتمال تولي فوزي لقجع، القيادي البارز بحزب الأصالة والمعاصرة، وزارة الاقتصاد والمالية في الحكومة المقبلة، معبراً عن موقفه بعبارة مباشرة وحادة.
كما تضمن التسجيل حديثاً عن سيناريو حصول التجمع الوطني للأحرار على المرتبة الثانية، واقتراح الإبقاء على نادية فتاح العلوي على رأس وزارة المالية في تلك الحالة.
ومضمون هذا النقاش المسرب والذي تتوفر الجريدة على نسخة منه،، يطرح سؤالا يفرض نفسه بقوة وهو، كيف لحزب يقود الحكومة منذ خمس سنوات كاملة، ويفترض أنه مقتنع بحصيلة أدائه وبقدرته على تجديد ثقة الناخبين، أن يناقش من الآن احتمال احتلال المرتبة الثانية، وأن ينشغل بتوزيع الحقائب الوزارية قبل أن يقول الناخب كلمته في صناديق الاقتراع؟
الأكثر إثارة في هذا الجدل، ليس فقط الحديث عن وزارة المالية، بل الحضور القوي لفوزي لقجع في خلفية النقاش.
فالرجل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى واحد من أكثر الشخصيات تأثيراً في المشهدين الاقتصادي والسياسي، بل وحتى الرياضي، سواء من خلال موقعه الحكومي أو حضوره في الملفات الاستراتيجية الكبرى، فضلاً عن الصورة التي راكمها لدى جزء من الرأي العام باعتباره مسؤولاً يرتبط بملفات الإنجاز والتدبير المالي، والرياضي.
ويبدو أن انتقال لقجع إلى موقع متقدم داخل حزب الأصالة والمعاصرة، و تصاعد وزنه السياسي داخله، يثير قلقاً لدى خصومه السياسيين، لأن الأمر لا يتعلق باسم عادي يمكن تجاوزه في معادلة ما بعد الانتخابات، بل بشخصية تمتلك شبكة واسعة من العلاقات والنفوذ والخبرة في تدبير الملفات الحساسة.
ومن هذه الزاوية، يرى متابعون أن التخوف الحقيقي لا يرتبط فقط بمن سيتولى وزارة المالية، بل بإمكانية تحول فوزي لقجع إلى ورقة قوة انتخابية وسياسية لصالح الأصالة والمعاصرة، بما قد يعيد ترتيب موازين القوى داخل الأغلبية المقبلة أو داخل المشهد الحزبي برمته.
في المقابل، يواجه التجمع الوطني للأحرار وضعية معقدة سياسياً وشعبياً، فالحزب الذي وصل إلى رئاسة الحكومة على وقع وعود كبيرة مرتبطة بتحسين القدرة الشرائية وخلق فرص الشغل وتعزيز الطبقة الوسطى، وجد نفسه خلال الولاية الحكومية أمام موجات متتالية من الانتقادات المرتبطة بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية واستمرار أزمات اجتماعية واقتصادية أرهقت فئات واسعة من المواطنين.
كما أن عدداً من المؤشرات السياسية والمجتمعية أظهرت خلال السنوات الأخيرة تراجعاً في منسوب الرضا الشعبي عن الأداء الحكومي، وهو ما جعل المعارضة تستثمر بقوة في خطاب تحميل الحكومة مسؤولية الاختلالات التي عرفتها المرحلة.
وفي هذا السياق، يبدو منطقياً أن تطرح تساؤلات حول الأسس التي تجعل بعض قيادات الحزب تتحدث بثقة عن احتلال المرتبة الأولى أو الثانية وكأن الأمر محسوم سلفاً، رغم أن التجارب الديمقراطية أثبتت أن الناخب هو وحده من يملك حق منح الصدارة أو سحبها.
ففي الأنظمة الديمقراطية، لا يكفي التوفر على آلة تنظيمية قوية أو حضور حكومي واسع لضمان الفوز، خصوصاً عندما تكون الحصيلة الحكومية موضوع جدل وانتقاد. كما أن المزاج الانتخابي غالباً ما يتغير في الأسابيع الأخيرة، وتتدخل فيه عوامل متعددة تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة.
ويزيد من حساسية النقاش أن التسجيل المنسوب للطالبي العلمي تضمن أيضاً انتقادات لسياسة استقطاب القيادات من طرف حزب الأصالة والمعاصرة، وهو انتقاد يراه مراقبون مفارقاً للواقع السياسي المغربي، بالنظر إلى أن التجمع الوطني للأحرار نفسه كان من أكثر الأحزاب التي اعتمدت خلال السنوات الماضية على استقطاب منتخبين وأعيان وقيادات من أحزاب أخرى لتعزيز صفوفه قبل الاستحقاقات الانتخابية.
في جميع الأحوال، فإن الجدل الذي أثاره هذا التسجيل لا يكشف فقط عن خلاف حول حقيبة وزارية أو اسم سياسي بعينه، بل يعكس حجم التوتر الذي بدأ يتسلل إلى حسابات الأحزاب الكبرى مع اقتراب موعد الحسم الانتخابي.
أما الرسالة الأبرز التي يمكن استخلاصها من هذه الواقعة، فهي أن فوزي لقجع بات رقماً صعباً في المعادلة السياسية إلى درجة تدفع خصومه إلى التفكير فيه قبل إعلان نتائج الانتخابات، وأن الثقة المطلقة في تكرار سيناريو 2021 لم تعد تبدو بالوضوح نفسه داخل بعض دوائر الحزب الذي يقود الحكومة.
ومع اقتراب 23 شتنبر، يبقى السؤال الذي يطرحه الشارع السياسي: هل تعكس هذه التصريحات مجرد حسابات استباقية عادية، أم أنها مؤشر على قلق حقيقي من تغير موازين القوى وصعود منافسين قادرين على قلب معادلة الصدارة التي اعتبرها البعض مضمونة قبل الأوان؟
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك