أنتلجنسيا:أبو جاسر
تتجه مؤشرات الرصد الدولية نحو تسجيل استئناف واضح لعمليات التكاثر الجماعي للجراد الصحراوي داخل المغرب، في تطور يفرض رفع مستوى التأهب الميداني والمؤسساتي خلال ما تبقى من فصل الشتاء وبداية الربيع، خاصة في ظل ظروف مناخية رطبة تُعدّ بيئة مثالية لتكاثر هذه الآفة الزراعية الخطيرة وتوسع انتشارها.
في أحدث موجز رقابي صادر عنها، كشفت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن المعطيات المناخية والبيئية الحالية تشير إلى استمرار نشاط التكاثر الشتوي، مع احتمال تصاعده خلال الأسابيع المقبلة إذا تواصلت حالة الجفاف النسبي في أواخر فبراير ومارس. التقرير يضع المغرب في قلب التوقعات، إذ يرجّح أن يتركز التكاثر بشكل رئيسي داخل بعض مناطقه الجنوبية والداخلية، مع احتمال امتداد التأثير إلى غرب الجزائر في حال تحققت السيناريوهات المناخية ذاتها.
التحليل الذي قدمته المنظمة لا ينطلق من قراءة ظرفية، بل يستند إلى رصد مستمر لحركة البيوض وتطور الحوريات ومتابعة خرائط الأمطار ودرجات الحرارة. فالتكاثر لا يحدث بصورة عشوائية، بل يرتبط ارتباطاً مباشراً بتوفر الرطوبة في التربة، ما يسمح لبيض الجراد المدفون بالتحول إلى حشرات صغيرة تنمو تدريجياً لتشكّل أسراباً قادرة على التحرك لمسافات طويلة بسرعة عالية. هذا التفاعل بين المناخ والدورة البيولوجية للآفة يجعل التنبؤ بها مسألة علمية دقيقة تتطلب مراقبة يومية ومتابعة تقنية مستمرة.
وتشير التوقعات المناخية الواردة في الموجز إلى احتمال تسجيل تساقطات مطرية خفيفة إلى متوسطة فوق المعدل في بعض المناطق خلال مارس وأبريل، خصوصاً في شمال موريتانيا وجنوب وشرق المغرب وغرب ووسط الجزائر، مع امتداد محتمل نحو ليبيا في وقت لاحق. غير أن المنظمة تؤكد أن حجم هذه الأمطار، رغم أهميتها النسبية، قد يظل غير كافٍ لإحداث تغيير جذري في مسارات انتشار الأسراب، ما يعني بقاء حالة التأهب قائمة.
الأخطر في هذا السياق أن الجراد الصحراوي يُصنّف عالمياً ضمن أكثر الآفات المهاجرة تدميراً، إذ يمكن لسرب واحد أن يغطي مساحات تمتد من كيلومتر مربع واحد إلى مئات الكيلومترات المربعة، ويضم ما يصل إلى 80 مليون حشرة بالغة. هذا العدد الهائل قادر على استهلاك كمية غذاء يومية تعادل احتياجات نحو 35 ألف شخص، ما يحوّل أي اجتياح واسع إلى تهديد مباشر للإنتاج الزراعي، وللمخزون الغذائي، ولأسعار المواد الأساسية في الأسواق المحلية.
ورغم هذه التحذيرات، تؤكد المعطيات أن الكشف المبكر والاستجابة السريعة يظلان الأداتين الأكثر فعالية في الحد من توسع الأسراب. فالتجارب الدولية السابقة أظهرت أن التدخل في مرحلة الحوريات وقبل تكوّن الأسراب الطائرة يقلص كلفة المكافحة ويمنع خسائر زراعية ضخمة قد يصعب تعويضها لاحقاً. لذلك توصي المنظمة بتكثيف عمليات المسح الميداني، واستخدام التقنيات الحديثة في الرصد الجوي والأرضي، وتنسيق الجهود بين المصالح الفلاحية والسلطات المحلية والهيئات الإقليمية.
من جهتها، تعلن السلطات المغربية أنها تواصل تعزيز المراقبة في المناطق المعرضة للخطر، عبر فرق ميدانية تعمل على تتبع البؤر المحتملة ومراقبة التحولات البيولوجية للجراد، في إطار خطة وقائية تهدف إلى احتواء أي انتشار محتمل قبل خروجه عن السيطرة. غير أن الفاعلين في المجال الزراعي يطالبون، في المقابل، بمزيد من الشفافية في نشر المعطيات الميدانية وتوفير معلومات دورية للرأي العام حول حجم الانتشار ونتائج عمليات المكافحة.
تحليلياً، يكشف هذا الملف أن التهديد المرتبط بالجراد لم يعد ظاهرة موسمية مفاجئة، بل بات جزءاً من معادلة الأمن الغذائي التي تتقاطع فيها العوامل المناخية مع هشاشة بعض الأنظمة الزراعية. فضعف الاستعداد المسبق أو التأخر في التدخل قد يحول بؤراً صغيرة إلى موجات اجتياح واسعة خلال أسابيع قليلة، ما يفرض اعتماد مقاربة استباقية قائمة على الإنذار المبكر والتمويل الكافي للمكافحة.
في ظل هذه المعطيات، لا يبدو أن المخاطر انتهت، بل إن المرحلة المقبلة قد تكون حاسمة في تحديد ما إذا كان المغرب سيحتوي الظاهرة في نطاق محدود، أم يواجه توسعاً يستدعي تعبئة وطنية موسعة لحماية المحاصيل والموارد الغذائية من خطر أسراب تتحرك بسرعة وتتكاثر بصمت قبل أن تظهر آثارها على الأرض.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك