هل يعاقب المغاربة الأحرار في صناديق الاقتراع بعد سنوات من الغلاء وتراجع القدرة الشرائية

هل يعاقب المغاربة الأحرار في صناديق الاقتراع بعد سنوات من الغلاء وتراجع القدرة الشرائية
ديكريبتاج / الأربعاء 26 غشت 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب: وصال . ل

مع اقتراب الانتخابات التشريعية، يعود السؤال الذي يفرض نفسه بقوة على الشارع المغربي، هل سيكافئ المواطن الحكومة الحالية على حصيلتها أم سيحاسبها على ما يعتبره كثيرون سنوات ثقيلة على القدرة الشرائية، فحزب التجمع الوطني للأحرار يقود الحكومة منذ 2021، ويدخل المرحلة الانتخابية المقبلة وهو مطالب بالدفاع عن حصيلة التدبير الحكومي أمام ناخبين أصبحوا أكثر حساسية تجاه الأسعار والخدمات وفرص العمل.

وتبدو المفارقة واضحة في الخطاب السياسي الحالي، فالحزب يضع اليوم حماية القدرة الشرائية في صلب برنامجه الانتخابي، بعدما أصبحت القضية واحدة من أكثر الملفات حضورا في النقاش العام، لكن السؤال الذي سيطرحه المواطن البسيط هو ماذا تغير فعليا في حياته اليومية، وهل استطاعت السياسات الحكومية أن تجعل دخله قادرا على مواجهة تكاليف الغذاء والسكن والنقل والعلاج، أم أن الوعود الجديدة جاءت بعد أن أصبح الضغط المعيشي واقعا يصعب تجاهله.

ولا يمكن اختزال الأزمة في الأسعار وحدها، فالأسرة المغربية تواجه أيضا ارتفاعا في تكاليف العلاج والأدوية والفحوصات، وهو ملف شديد الحساسية لأن المرض لا يمنح المواطن فرصة لتأجيل الإنفاق، وقد أثارت مراجعات منظومة أسعار الأدوية ونقاش تعرفات الخدمات الطبية جدلا واسعا، في وقت يفترض فيه أن يكون إصلاح الصحة موجها أساسا إلى تخفيف العبء عن الأسر وليس إضافة تكاليف جديدة إليها.

ومن حق الحكومة أن تتحدث عن المنجزات والمشاريع والاستثمارات والإصلاحات الاجتماعية، كما من حق المواطنين أن يسألوا عن أثر هذه السياسات في حياتهم اليومية، فالمواطن لا يقيس نجاح الاقتصاد بعدد المشاريع فقط، وإنما يقيسه بما تبقى في جيبه بعد أداء فاتورة الغذاء والكهرباء والسكن والتنقل والعلاج، وإذا كان الاقتصاد يتطور بينما يشعر جزء واسع من المجتمع بأن دخله لم يعد يكفي، فإن الفجوة بين المؤشرات الاقتصادية والإحساس الاجتماعي تصبح مشكلة سياسية حقيقية.

والأكثر إثارة أن حزب التجمع الوطني للأحرار يدخل المرحلة الانتخابية بخطاب جديد يركز على حماية القدرة الشرائية، وهي قضية أصبحت من أبرز عناوين برنامجه المقبل، وهذا التحول يطرح سؤالا سياسيا بسيطا لكنه قوي، إذا كانت القدرة الشرائية أولوية اليوم، فلماذا لم يشعر المواطن بالتحسن الكافي خلال الولاية الحكومية التي قادها الحزب، وهل ستنجح الوعود الجديدة في إقناع الناخب بأن المرحلة المقبلة ستكون مختلفة.

أما المواطن محدود الدخل، فإنه لا يهتم كثيرا بالصراعات الحزبية ولا بتبادل الاتهامات بين الأغلبية والمعارضة، بقدر ما يهتم بسعر الخضر واللحوم والحليب والدواء، وبقدرته على دفع الإيجار وفواتير الخدمات وتكاليف دراسة أبنائه، ولذلك فإن الانتخابات المقبلة قد تكون بالنسبة إلى فئات واسعة لحظة لتقييم التجربة الحكومية انطلاقا من المعيشة اليومية وليس من الخطابات السياسية.

وفي قطاع الصحة تحديدا، تبدو المسألة أكثر حساسية، لأن ارتفاع كلفة العلاج يمكن أن يحول المرض إلى أزمة مالية للأسرة بأكملها، خصوصا عندما تحتاج الحالات المرضية إلى فحوصات وأدوية وعلاجات متكررة، ولهذا فإن أي إصلاح صحي لا يلمسه المواطن في تكلفة العلاج وفي جودة الخدمات وسرعة الحصول عليها قد يبقى بالنسبة إليه مجرد إصلاح إداري لا يغير واقعه.

وفي المقابل، لا ينبغي تحميل حزب واحد مسؤولية كل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، فالمغرب واجه خلال السنوات الماضية أزمات دولية وتقلبات في أسعار الطاقة والغذاء وجفافا وضغوطا على الموارد المائية، وهي عوامل أثرت في اقتصادات كثيرة حول العالم، لكن المواطن ينتظر من الحكومة أن تدير هذه الأزمات بأفضل طريقة ممكنة وأن تحمي الفئات الهشة من آثارها، وهنا تحديدا يصبح تقييم الأداء الحكومي أمرا مشروعا.

المشكلة السياسية التي تواجه الأحرار ليست فقط في وجود انتقادات للحكومة، وإنما في اتساع المسافة بين الخطاب السياسي والإحساس اليومي للمواطن، فإذا كان المواطن يسمع عن برامج اجتماعية وإصلاحات كبرى، ثم يذهب إلى السوق أو الصيدلية أو الطبيب ويجد أن دخله لا يكفي، فإن الرسالة السياسية تصبح أكثر تعقيدا، وقد تتحول القدرة الشرائية من شعار انتخابي إلى معيار أساسي للحكم على الحكومة.

ومن جهة أخرى، فإن اقتراب نهاية الولاية يفتح الباب أمام أحزاب المعارضة لتقديم نفسها باعتبارها البديل، ومحاولة إقناع الناخب بأن تغيير القيادة السياسية يمكن أن ينتج سياسات اجتماعية واقتصادية مختلفة، غير أن التجربة المغربية أثبتت أن الناخب أصبح أكثر حذرا، ولذلك لن يكون كافيا مهاجمة الحكومة، بل سيكون مطلوبا من أي حزب بديل تقديم حلول قابلة للتطبيق ومصادر واضحة لتمويلها.

ويبقى السؤال الأكبر معلقا في صناديق الاقتراع، هل سيغلب المواطن تقييم الحصيلة الاقتصادية والاجتماعية على الاعتبارات الحزبية والسياسية، وهل سيعتبر أن الأحرار نجحوا في إدارة مرحلة صعبة أم أنهم أخفقوا في حماية الأسر من آثار الغلاء، خصوصا أن الحزب نفسه يدخل المعركة الانتخابية بخطاب يضع القدرة الشرائية في مقدمة أولوياته، وهو ما سيجعل الناخب قادرا على مقارنة الوعود الجديدة بما عاشه خلال السنوات الماضية.

فإن الانتخابات المقبلة لن تكون فقط منافسة بين أسماء وأحزاب، بل قد تتحول إلى امتحان حقيقي لذاكرة المواطن الاقتصادية والاجتماعية، فالمغربي الذي تحمل ارتفاع تكاليف المعيشة والعلاج والسكن لن يصوت بالضرورة بناء على الشعارات، وإنما بناء على ما إذا كان يشعر أن وضعه تحسن أو تراجع، وإذا قرر الناخب معاقبة حزب الأحرار أو منحه فرصة جديدة، فستكون صناديق الاقتراع وحدها القادرة على تقديم الإجابة.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك