التزكيات للبيع أو عندما تتحول الأحزاب المغربية إلى مزاد سري وتُختطف الديمقراطية بمال الأعيان والنفوذ قبيل 23 شتنبر 2026

التزكيات للبيع أو عندما تتحول الأحزاب المغربية إلى مزاد سري وتُختطف الديمقراطية بمال الأعيان والنفوذ قبيل 23 شتنبر 2026
ديكريبتاج / الثلاثاء 02 يونيو 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)

في الوقت الذي يفترض فيه، أن تكون الأحزاب السياسية مدارس لتأطير المواطنين ومشاتل لإنتاج النخب والكفاءات القادرة على خدمة الوطن، تتسع في صمت ظاهرة خطيرة تنخر جسد العمل السياسي المغرب من الداخل، وتدفع بالممارسة الديمقراطية نحو منحدر مقلق، عنوانه العريض، المال مقابل التزكية.

إنها واحدة من أكثر الحقائق إزعاجاً في المشهد الحزبي المغربي، حقيقة يتجنب كثيرون الحديث عنها علناً، رغم أنها أصبحت حديث المجالس السياسية والكواليس الانتخابية مع كل استحقاق جديد.

فخلف الشعارات البراقة والخطابات التي تتغنى بالديمقراطية والشفافية وتجديد النخب، تدور في بعض الزوايا المعتمة من الحياة الحزبية معارك من نوع آخر، لا تحسمها الكفاءة ولا التاريخ النضالي ولا القرب من هموم المواطنين، بل تحسمها القدرة المالية وحجم النفوذ وشبكات المصالح.

وهكذا تتحول التزكية، التي يفترض أن تكون شهادة ثقة سياسية وأخلاقية تمنح لمن يستحق تمثيل المواطنين، إلى سلعة مطلوبة في سوق انتخابية مفتوحة، يربح فيها من يدفع أكثر ويخسر فيها أصحاب الكفاءات الذين لا يملكون خزائن ممتلئة أو داعمين من أصحاب الثروة.

الأخطر من ذلك أن هذه الظاهرة لا تقتصر على حالات معزولة أو استثناءات نادرة، بل أصبحت بالنسبة لكثير من المتابعين عنواناً لأزمة أعمق تضرب الأحزاب السياسية من الداخل. فحين يصبح المال هو المعيار الأول للوصول إلى الترشيح، تتراجع مكانة الفكر السياسي والالتزام الحزبي والبرامج التنموية إلى الصفوف الخلفية، بينما يتقدم أصحاب الجاه والنفوذ والأعيان إلى الواجهة باعتبارهم الأكثر قدرة على تمويل الحملات الانتخابية وضمان النتائج الرقمية التي تبحث عنها بعض القيادات الحزبية بأي ثمن.

وما يزيد من خطورة المشهد أن المرشح الذي يصل عبر بوابة المال لا يدخل المعترك الانتخابي وهو يحمل مشروعاً سياسياً أو رؤية إصلاحية، بل يدخل بعقلية المستثمر الذي ينتظر استرجاع ما أنفقه وتحقيق أرباح سياسية أو اقتصادية لاحقة.

وهنا تتحول الانتخابات من منافسة ديمقراطية لخدمة الصالح العام إلى عملية استثمارية مغلقة، يصبح فيها المقعد الانتخابي رأسمالاً يجب أن يدر العائدات، وتصبح المصلحة العامة آخر ما يشغل بال بعض الفاعلين.

هذا الواقع يطرح أسئلة محرجة حول مستقبل الديمقراطية التمثيلية وجدوى المشاركة السياسية في ظل اختلال موازين التنافس.

فكيف يمكن لشاب كفء أو إطار أكاديمي أو فاعل جمعوي نزيه أن ينافس أصحاب الثروات الضخمة إذا كانت أبواب الترشيح نفسها تفتح وفق حسابات مالية؟

وكيف يمكن إقناع المواطنين بجدوى التصويت والمشاركة إذا كانوا يشاهدون، دورة بعد أخرى، الوجوه نفسها تعود إلى المؤسسات المنتخبة بفضل النفوذ والمال والعلاقات وليس بفضل الكفاءة والبرامج؟

إن الأزمة لا تتعلق فقط بالأحزاب، بل تمتد إلى تأثيراتها المباشرة على تدبير الشأن العام. فعندما يتم استبعاد الكفاءات لصالح أصحاب المال، تكون النتيجة مؤسسات ضعيفة، وقرارات تفتقر إلى الجرأة والرؤية، وسياسات عمومية لا تعكس دائماً حاجيات المواطنين الحقيقية.

فالمجالس المنتخبة ليست مجرد واجهات سياسية، بل هي فضاءات لصناعة القرار وتوجيه التنمية المحلية والوطنية، وأي خلل في معايير اختيار ممثلي الأمة ينعكس بشكل مباشر على جودة الخدمات العمومية ومستقبل التنمية.

ويزداد الجدل حدة بسبب ما يعتبره كثيرون غياباً لرقابة صارمة وآليات شفافة تنظم مساطر منح التزكيات داخل الأحزاب.

فإلى اليوم لا تزال أسئلة عديدة معلقة دون أجوبة واضحة، كيف يتم اختيار المرشحين؟ ما هي المعايير المعتمدة؟ ومن يراقب سلامة هذه العمليات؟ ولماذا لا يتم فتح المجال أمام القواعد الحزبية للمشاركة الفعلية في اختيار ممثليها عبر انتخابات تمهيدية حقيقية بدل القرارات الفوقية التي تصنع في الغرف المغلقة؟

كما يطالب متتبعون للشأن السياسي، بضرورة تفعيل آليات أكثر صرامة لمراقبة مصادر تمويل الحملات الانتخابية وثروات المرشحين، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب، بما يضمن تكافؤ الفرص بين جميع المناضلين ويمنح الكفاءات الشابة والمثقفة فرصة حقيقية للوصول إلى مواقع القرار.

ورغم قتامة الصورة، يبقى الرهان الأكبر معقوداً على وعي الناخب المغربي الذي أصبح أكثر قدرة على التمييز بين الخطاب الحقيقي والخطاب المصطنع، وبين من يسعى إلى خدمة الصالح العام ومن يعتبر السياسة مجرد وسيلة لتحقيق المصالح الخاصة.

فالمواطن يظل الحلقة الأقوى في معادلة الإصلاح، وصوته يمكن أن يشكل السد المنيع أمام تمدد المال الانتخابي وهيمنة لوبيات النفوذ.

إن استمرار سوق التزكيات الحزبية لا يمثل مجرد انحراف انتخابي عابر، بل يشكل تهديداً مباشراً لفكرة الدولة الحديثة القائمة على الكفاءة وتكافؤ الفرص وربط المسؤولية بالمحاسبة.

لذلك فإن معركة إصلاح الحياة السياسية لم تعد ترفاً فكرياً أو مطلباً نخبوياً، بل أصبحت ضرورة وطنية ملحة.

فإما أن تستعيد السياسة معناها النبيل باعتبارها خدمة للمواطن والوطن، وإما أن تستمر دوامة المال والنفوذ في ابتلاع ما تبقى من الثقة في المؤسسات، تاركة المجال مفتوحاً أمام مزيد من العزوف والإحباط وفقدان الأمل في التغيير.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك