أنتلجنسيا:أبو آلاء
رغم الأوراش العملاقة التي تغزو مختلف جهات المملكة والاستثمارات الضخمة التي تُضخ في البنيات التحتية والصناعة والنقل، ما يزال شبح البطالة يطارد آلاف الشباب المغاربة، في مفارقة اقتصادية تثير الكثير من التساؤلات حول مدى قدرة النموذج التنموي الحالي على تحويل الأرقام والمؤشرات الاستثمارية إلى فرص عمل حقيقية تحفظ الكرامة وتمنح الأمل للأجيال الصاعدة.
فبينما يستعد المغرب لاحتضان كأس العالم 2030 ويواصل تسريع وتيرة إنجاز الملاعب العملاقة والطرق السيارة وخطوط السكك الحديدية والمناطق الصناعية، تكشف معطيات حديثة أن نسبة بطالة الشباب تجاوزت 37 في المائة، وهو رقم يعكس حجم الهوة بين الدينامية الاقتصادية المعلنة والواقع الاجتماعي الذي يعيشه جزء واسع من الشباب.
تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية سلط الضوء على هذا التناقض الصارخ، معتبراً أن المملكة تعيش مرحلة توسع استثماري غير مسبوقة، لكن آثارها على سوق الشغل لا تزال محدودة مقارنة بحجم الأموال المرصودة للمشاريع الكبرى. فالكثير من الشباب، بمن فيهم الحاصلون على شهادات جامعية، يجدون أنفسهم أمام خيارات مهنية هشة أو أجور لا تواكب متطلبات العيش، فيما يضطر آخرون إلى الجمع بين أكثر من عمل لتأمين الحد الأدنى من الدخل.
ويبرز التقرير أن معدل البطالة العام يقترب من 13 في المائة، غير أن الأزمة تتفاقم بشكل أكبر وسط الفئات الشابة التي تواجه صعوبات متزايدة في الولوج إلى وظائف مستقرة وقادرة على توفير مستقبل مهني واضح. وهو واقع يطرح علامات استفهام حول طبيعة الاستثمارات المنجزة ومدى قدرتها على امتصاص البطالة المتفاقمة.
وتشير المعطيات إلى أن المغرب نجح خلال السنوات الأخيرة في استقطاب مشاريع استراتيجية كبرى في قطاعات السيارات والطيران والفوسفاط والطاقة والبنيات التحتية، غير أن عدداً مهماً من هذه الاستثمارات يعتمد على رؤوس أموال ضخمة وتكنولوجيا متقدمة أكثر من اعتماده على اليد العاملة الكثيفة، ما يحد من تأثيره المباشر على خلق فرص الشغل.
كما يرى مراقبون أن استمرار هيمنة الاستثمار العمومي على الجزء الأكبر من الدورة الاستثمارية يفرض تحدياً إضافياً، إذ إن الرهان الحقيقي أصبح مرتبطاً بقدرة القطاع الخاص على توسيع نشاطه وإطلاق مشاريع منتجة للوظائف بشكل مستدام، بعيداً عن منطق الأوراش المؤقتة التي تنتهي بانتهاء أشغال البناء والتجهيز.
ولم يفصل التقرير بين أزمة التشغيل وتصاعد رغبة الشباب في الهجرة، حيث اعتبر أن مشاهد التوافد نحو سبتة خلال الأشهر الأخيرة ليست سوى انعكاس مباشر لشعور متنامٍ بالإحباط لدى فئات واسعة ترى أن فرص المستقبل أصبحت أقرب إلى الضفة الأخرى من المتوسط منها إلى سوق الشغل المحلية.
واستعرض التقرير نماذج لشباب مغاربة يعيشون أوضاعاً مهنية صعبة رغم امتلاكهم مؤهلات وشهادات، حيث يتحول البحث عن فرصة عمل مستقرة إلى معركة يومية في ظل محدودية العروض وضعف الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة.
وتكشف هذه المؤشرات أن التحدي الأكبر أمام المغرب لم يعد يتمثل فقط في تشييد الطرق والموانئ والمصانع والملاعب، بل في ضمان انعكاس هذه الاستثمارات على حياة المواطنين بشكل مباشر. فنجاح أي نموذج اقتصادي لا يقاس بحجم المشاريع التي يتم إطلاقها فقط، وإنما بقدرته على خلق فرص شغل تحفظ الكرامة وتمنح الشباب أسباباً للبقاء والمساهمة في بناء مستقبلهم داخل وطنهم.
وفي ظل اقتراب استحقاقات دولية كبرى وتواصل الرهان على جذب المزيد من الاستثمارات، تبدو معركة التشغيل اليوم أكبر اختبار حقيقي للسياسات العمومية، لأن النمو الذي لا يصل إلى جيوب المواطنين ولا يفتح أبواب الأمل أمام الشباب يظل نمواً ناقصاً، مهما كانت الأرقام والمؤشرات التي ترافقه.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك