أنتلجنسيا المغرب:عزيز . م
يعد ملف
إصلاح أنظمة التقاعد في المغرب واحدًا من أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية، ليس فقط
بسبب أبعاده المالية، وإنما أيضًا لما يحمله من انعكاسات اجتماعية وسياسية تمس
ملايين الموظفين والمتقاعدين والأجراء. ولهذا لم يكن إعلان الحكومة تأجيل الحسم في
هذا الورش إلى ما بعد الانتخابات التشريعية قرارًا تقنيًا بقدر ما يعكس حسابات
سياسية دقيقة، فرضتها طبيعة المرحلة والرهانات المرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية
المقبلة.
فعلى امتداد السنوات الماضية، ظل خبراء الاقتصاد
والمؤسسات المختصة يحذرون من التدهور التدريجي للتوازنات المالية لبعض صناديق
التقاعد، نتيجة ارتفاع عدد المتقاعدين مقابل تباطؤ نمو عدد المنخرطين، إضافة إلى
ارتفاع متوسط العمر، وهو ما أدى إلى زيادة حجم النفقات مقارنة بالمداخيل. هذه
المعطيات جعلت إصلاح المنظومة ضرورة يفرضها الواقع المالي، إلا أن الجانب السياسي
ظل يؤجل اتخاذ القرار.
وتدرك الحكومة أن أي إصلاح حقيقي لأنظمة
التقاعد لن يكون سهلًا، لأنه غالبًا ما يتضمن إجراءات غير شعبية، مثل رفع سن
الإحالة على التقاعد، أو زيادة الاقتطاعات من أجور الموظفين، أو تعديل طريقة
احتساب المعاشات. وهي إجراءات قد تواجه برفض واسع من النقابات والموظفين، وقد
تتحول إلى محور رئيسي في الحملات الانتخابية، وهو ما يجعل كلفتها السياسية مرتفعة
جدًا بالنسبة لأي حكومة تستعد لخوض انتخابات تشريعية.
ومن هذا المنطلق، يرى عدد من المتابعين أن تأجيل
الإصلاح يعكس رغبة الحكومة في تجنب فتح جبهة اجتماعية جديدة قد تزيد من منسوب
الاحتقان، خاصة في ظل استمرار النقاش حول القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.
فالحكومة تبدو حريصة على عدم اتخاذ قرارات قد تُفسر على أنها تمس الحقوق
الاجتماعية لفئات واسعة من المواطنين في توقيت انتخابي حساس.
كما أن الحكومة تدرك أن ملف
التقاعد يختلف عن باقي الإصلاحات، لأنه لا يهم فئة محدودة، بل يمتد تأثيره إلى
مئات الآلاف من الموظفين الحاليين والمتقاعدين، إضافة إلى الأجيال المقبلة. لذلك
فإن أي قرار في هذا المجال يحتاج إلى توافق سياسي واجتماعي واسع، وهو أمر يصعب
تحقيقه في أجواء التنافس الانتخابي التي تطغى عليها الحسابات الحزبية أكثر من منطق
التوافق.
وفي المقابل، تعتبر المركزيات النقابية أن
إصلاح التقاعد يجب ألا يتم على حساب الأجراء وحدهم، مطالبة بفتح نقاش شامل حول
مصادر تمويل الصناديق، وتحميل الدولة وأرباب العمل جزءًا من مسؤولية معالجة
الاختلالات المالية، بدل الاقتصار على رفع سن التقاعد أو زيادة الاقتطاعات من أجور
الموظفين.
ويرى محللون أن تأجيل هذا الورش لا يعني اختفاء
الأزمة، بل يعني فقط ترحيلها إلى الحكومة المقبلة، التي ستجد نفسها أمام ملف أكثر
تعقيدًا إذا استمرت المؤشرات المالية الحالية. فكلما تأخر الإصلاح، ازدادت كلفته
المالية والاجتماعية، وقلت الخيارات المتاحة أمام صناع القرار.
في المقابل، تؤكد الحكومة أن قرار التأجيل يهدف
إلى استكمال الحوار مع الشركاء الاجتماعيين، والوصول إلى صيغة توافقية تحقق
التوازن بين استدامة صناديق التقاعد وحماية الحقوق المكتسبة للمنخرطين
والمتقاعدين، مشددة على أن الإصلاح سيظل ضمن أولويات المرحلة المقبلة.
ملف
التقاعد يبقى اختبارًا حقيقيًا لقدرة أي حكومة على التوفيق بين متطلبات الإصلاح
الاقتصادي والحفاظ على السلم الاجتماعي. وبين الضرورات المالية والحسابات
السياسية، يبدو أن الحكومة فضلت تأجيل القرار إلى ما بعد الانتخابات، في خطوة
يراها البعض محاولة لتجنب كلفة سياسية مرتفعة، بينما تعتبرها الحكومة فرصة لإعطاء
الحوار الاجتماعي وقتًا إضافيًا للوصول إلى حلول أكثر توافقًا.
ويبقى
الحكم النهائي على هذا القرار مرتبطًا بما ستشهده المرحلة المقبلة، وما إذا كان
التأجيل سيمهد فعلًا لإصلاح متوازن، أم سيكون مجرد ترحيل لملف معقد إلى حكومة
جديدة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك