أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا
أثار الاتفاق
المعلن في نيويورك بشأن رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بين المغرب وإسرائيل إلى
مستوى السفارات وتعيين سفراء من الجانبين نقاشاً واسعاً حول مستقبل العلاقات
الثنائية وموقع القضية الفلسطينية ضمن السياسة الخارجية المغربية، وجاء الاتفاق
عقب اجتماع ثلاثي جمع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره الإسرائيلي جدعون
ساعر، بحضور السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، في خطوة تمثل مرحلة
جديدة في مسار العلاقات التي استؤنفت سنة 2020 في إطار الاتفاقات الإبراهيمية.
وفي مقابل هذا
التطور الدبلوماسي، نقلت مصادر فلسطينية مطلعة من داخل منظمة التحرير الفلسطينية
رفضها لما وصفته بمزايدات على موقف المغرب من القضية الفلسطينية، مشيرة إلى أن
المملكة تؤكد رسمياً استمرار التزامها بالقضية الفلسطينية، فيما استحضر مسؤول
فلسطيني العلاقة التاريخية بين المغرب والقدس الشريف، معتبراً أن حضور المغرب في
المدينة المقدسة يمتد إلى جذور تاريخية مرتبطة بحارة المغاربة وباب المغاربة، وهما
من أبرز الشواهد على الارتباط التاريخي للمغاربة بالقدس.
ويأتي هذا
الجدل في وقت أكدت فيه الصيغة المعلنة للاتفاق أن الخطوة لا تقتصر على رفع التمثيل
الدبلوماسي، بل تشمل أيضاً تعيين سفراء وتوسيع الرحلات الجوية المباشرة وتعزيز
التعاون الاقتصادي والتجاري، إلى جانب العمل على استكمال اتفاقات مرتبطة بحماية
الاستثمارات وتفادي الازدواج الضريبي، وهو ما يعكس توجهاً نحو توسيع نطاق العلاقات
التي ظلت خلال السنوات الماضية قائمة أساساً عبر مكاتب اتصال.
وفي الداخل
المغربي، تواصلت في المقابل أصوات رافضة لتطوير العلاقات مع إسرائيل، خصوصاً عبر
منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر ناشطون أن الانتقال إلى مستوى السفارات يمثل
توجهاً غير مقبول بالنسبة إليهم، وربط بعضهم هذه الخطوة بموقفهم الرافض للتطبيع وبمطالب
متكررة بقطع العلاقات، في وقت تشير فيه تقارير صحافية إلى استمرار وجود معارضة
شعبية داخل المغرب للعلاقات مع إسرائيل، خصوصاً على خلفية الحرب في غزة والتطورات
المرتبطة بالقضية الفلسطينية.
ويستند
الرافضون لهذه الخطوة، بحسب ما يتداولونه في النقاش العام، إلى اعتبار أن رفع
مستوى التمثيل الدبلوماسي يتجاوز صيغة العلاقات المحدودة نحو إقامة علاقات أكثر
رسوخاً ومؤسساتية، بينما يرى الجانب الآخر من النقاش أن العلاقات الدبلوماسية لا
تلغي الموقف المغربي المعلن من القضية الفلسطينية، وهو ما يجعل الجدل مرتبطاً
أساساً بكيفية الجمع بين استمرار العلاقات مع إسرائيل والحفاظ على الدور المغربي
في الملفات المرتبطة بالقدس والقضية الفلسطينية.
كما أن
الاتفاق الجديد لا يعني بالضرورة أن السفارات بدأت عملها فعلياً في اليوم نفسه، إذ
إن الإعلان يتعلق بالاتفاق على رفع مستوى البعثات إلى سفارات وتعيين سفراء، بينما
تتطلب عملية التنفيذ إجراءات وترتيبات دبلوماسية لاحقة، وقد أشارت تقارير إلى أن
البعثة الإسرائيلية في الرباط كانت لا تزال تحمل صفة مكتب الاتصال في أعقاب
الإعلان، بما يوضح الفرق بين القرار السياسي المعلن وبين استكمال الترتيبات
العملية اللازمة لتفعيل المرحلة الجديدة.
وبينما تستعد
العلاقات المغربية الإسرائيلية لدخول مرحلة دبلوماسية جديدة، يبقى النقاش داخل
المجتمع المغربي مفتوحاً حول حدود هذه العلاقة وانعكاساتها على الموقف من القضية
الفلسطينية، في ظل استمرار التأكيدات الرسمية المغربية على دعم الحقوق الفلسطينية،
مقابل مطالب شعبية ومدنية متواصلة بوقف التطبيع، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة
محكومة بتطورين متوازيين، تنفيذ الاتفاقات الدبلوماسية والاقتصادية الجديدة من
جهة، وكيفية تعامل الرباط مع استمرار الحساسية الشعبية والسياسية تجاه العلاقة مع
إسرائيل والقضية الفلسطينية من جهة أخرى.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك