وثائق استخباراتية إسبانية تضع رواية "التخطيط المغربي" لأزمة سبتة تحت المجهر وتفجر حقائق صادمة

وثائق استخباراتية إسبانية تضع رواية "التخطيط المغربي" لأزمة سبتة تحت المجهر وتفجر حقائق صادمة
ديكريبتاج / الخميس 17 شتنبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)

أعادت وثائق استخباراتية إسبانية رسمية نشرها موقع الحكومة في مدريد فتح النقاش حول حقيقة ما سبق أزمة سبتة والهجوم الجماعي الذي شهدته الحدود يومي 30 و31 يوليوز 2026، بعدما كشفت الوثائق أن أجهزة إسبانية كانت تتوفر، قبل ساعات من بداية الأحداث، على معلومات حول دعوات منظمة على شبكات التواصل الاجتماعي للعبور نحو المدينة، وأن هذه المعلومات وصلت أيضاً إلى أجهزة الاستخبارات المغربية.

وأتاح موقع رئاسة الحكومة الإسبانية «لا مونكلوا» للعموم مستودعاً يضم 40 تقريراً وإنذاراً ومراسلة أصدرتها أجهزة مختلفة خلال شهر يوليوز، من بينها الشرطة الوطنية والحرس المدني والمركز الوطني للاستخبارات CNI ومركز استخبارات القوات المسلحة CIFAS، مع تحديد تاريخ كل وثيقة وساعة إرسالها والجهة التي توصلت بها. وقالت الحكومة إن الهدف من نشرها هو تمكين الرأي العام من إعادة بناء تسلسل المعلومات التي كانت متوفرة لدى المؤسسات قبل الأزمة وأثناءها.

وتبرز ضمن هذا الأرشيف وثيقة C/10399 المؤرخة في 29 يوليوز 2026، والصادرة عن المركز الوطني للاستخبارات الإسباني CNI، والتي يظهر في سجل الحكومة أنها أرسلت عند الساعة 18:26 إلى جهازي الاستخبارات المغربيين DGST وDGED.

وتكشف الوثيقة أن الاستخبارات الإسبانية كانت قد رصدت دعوات على شبكات التواصل الاجتماعي لتنفيذ محاولات دخول إلى سبتة سباحة أو عبر السياج، مستفيدة، وفق المعلومات التي رصدها الجهاز، من انشغال قوات الأمن المغربية بمناسبة عيد العرش.

وتحدثت الوثيقة عن مجموعات على واتساب وفيسبوك كانت تحفز على محاولات العبور، مشيرة إلى مجموعة تحمل اسم «Asalto a la valla de Ceuta» وأخرى على فيسبوك تضم أكثر من 160 ألف عضو، فيما أشارت الصفحة الثانية إلى مجموعة أخرى تضم أكثر من 22 ألف عضو.

ونقلت الوثيقة كذلك أن CNI أبلغ وحدة UCE-3 التابعة للحرس المدني الإسباني بوجود معلومات عن محاولة دخول سباحة والقفز فوق السياج في اليوم التالي، كما تظهر المراسلات المنشورة على موقع الحكومة أن التواصل تم أيضاً مع مكتب مندوبية الحكومة الإسبانية في سبتة.

وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة لأنها تؤكد أن أجهزة إسبانية كانت تملك، قبل ساعات من بداية موجة الدخول، معلومات مسبقة عن دعوات متداولة عبر شبكات التواصل، وأن تلك المعلومات لم تبق داخل المؤسسات الإسبانية، بل جرى نقلها أيضاً إلى أجهزة الاستخبارات المغربية، وفق السجل الرسمي للوثائق المنشور من طرف الحكومة الإسبانية.

ولا تتضمن هذه الوثيقة، في مضمونها المنشور، دليلاً مباشراً يثبت أن السلطات المغربية خططت لتنظيم عملية الدخول الجماعي، وإنما توثق رصد دعوات على شبكات التواصل وإبلاغ جهات إسبانية ومغربية بها. وهذا التفصيل يصبح أساسياً عند الفصل بين وجود تحذير استخباراتي مسبق وبين إثبات مسؤولية دولة عن التخطيط لعملية من هذا النوع.

وتأتي الوثيقة الثانية من مركز استخبارات القوات المسلحة الإسبانية CIFAS، وتحمل عنوان «الأزمة الهجرية في الساحات والجزر الإسبانية ذات السيادة في شمال إفريقيا»، وقد أُرسلت في 30 يوليوز عند الساعة 13:00، أي في اليوم الذي بدأت فيه موجة الدخول الجماعي. ويظهر الأرشيف الرسمي للحكومة الإسبانية أنها مصنفة كتقرير استخباراتي، ضمن الوثائق التي نشرت بعد قرار رفع السرية عن المعلومات المرتبطة بأزمة سبتة.

ووصف تقرير CIFAS الوضع على الساحل المغربي قرب سبتة بأنه أزمة هجرية، مشيراً إلى تشبع أجهزة الأمن الإسبانية أمام وصول أعداد كبيرة من الأشخاص، كما تحدث عن وجود محاولات عبور بحرية وبرية، وعن رصد اختلاف في سلوك قوات الأمن المغربية بين سبتة ومليلية.

وخلصت فقرة التقييم في التقرير إلى أن من المرجح جداً ألا تكون السلطات المغربية قد ساهمت بشكل نشط في موجة الهجرة، لكنه أضاف أنها ربما تصرفت، حتى ذلك الوقت، بطريقة وصفها التقرير بأنها «مهملة وسلبية»، مع توقعه أن تزيد قوات الأمن المغربية من تدخلها بعد انتهاء احتفالات عيد العرش.

وتحمل هذه الخلاصة دلالة مهمة في قراءة الوثيقة، لأنها تميز بين فرضية **المساعدة النشطة** وبين تقييم استخباراتي يتحدث عن **سلوك سلبي أو مهمل**. وفي الوقت نفسه، لم يغلق التقرير الباب أمام فرضيات أخرى، إذ أشار إلى احتمال أن تحاول الرباط استغلال الوضع الذي نشأ في سبتة لخدمة مصالحها الاستراتيجية.

وسجل التقرير أيضاً أن المعطيات المتعلقة بسلوك قوات الأمن المغربية كانت متناقضة بين سبتة ومليلية، إذ تحدث عن تعامل نشط في مجال حفظ الأمن بمليلية، مقابل ما وصفه بالسلبية أمام موجة الهجرة في محيط سبتة، وهي نقطة وردت صراحة في التقييم الاستخباراتي المنشور.

ويكشف تسلسل الوثائق المنشورة أن الصورة أكثر تعقيداً من رواية واحدة، إذ تظهر مراسلات وتحذيرات وتقارير متعددة صدرت في الأيام السابقة للأزمة، فيما كانت أجهزة إسبانية تتابع محاولات العبور البحري والبري وتطورات شبكات التواصل. كما تظهر وثيقة CNI المؤرخة في 29 يوليوز بوضوح أن التحذير من محاولات العبور كان موجوداً قبل يوم من الأحداث الكبرى.

وفي المقابل، ظهرت بعد الأزمة تقارير صحافية إسبانية تبنت تفسيرات أكثر تشدداً بشأن دور المغرب، من بينها تقرير لـ«Vozpópuli» قال إن تقريراً للشرطة الإسبانية خلص إلى أن المغرب «شجع ودفع ووجّه» تدفقاً بشرياً نحو حدود سبتة. وهذه قراءة صحافية لوثائق أخرى، وليست هي نفسها الصياغة الواردة في تقييم CIFAS المؤرخ في 30 يوليوز.

كما نشرت الصحيفة نفسها تقريراً آخر حول تحذير CNI المسبق، مؤكدة أن الجهاز أبلغ السلطات الإسبانية وأجهزة الاستخبارات المغربية قبل يوم من الدخول الجماعي، وهو ما يتوافق مع سجل الوثائق الرسمي المنشور من طرف «لا مونكلوا».

وتكشف المقارنة بين الوثيقتين أن أزمة سبتة لا يمكن اختزالها بسهولة في عبارة واحدة من قبيل «عملية مخطط لها» أو «أزمة هجرة عفوية»، لأن الوثائق المنشورة تقدم مستويات مختلفة من المعلومات: تحذيرات مسبقة حول دعوات على مواقع التواصل، وتقييمات ميدانية أثناء الأزمة، ثم تقديرات استخباراتية بشأن سلوك السلطات المغربية والسيناريوهات المحتملة لتطور الوضع.

وتكتسب المسألة أهمية أكبر بالنظر إلى أن الحكومة الإسبانية نفسها قررت نشر هذه الوثائق بعد تعهد رئيس الحكومة أمام البرلمان بإتاحة المعلومات للرأي العام، مؤكدة أن الغرض من العملية هو السماح للمواطنين بفحص المعطيات التي كانت متوفرة لدى المؤسسات وإعادة بناء التسلسل الزمني للأحداث.

وتبقى الخلاصة الأهم أن الوثائق الرسمية المنشورة تستحق أن تُقرأ قبل الأحكام السياسية والإعلامية، خصوصاً أن إحدى الوثيقتين تثبت وجود تحذير مسبق وصل إلى الجانب المغربي، بينما تقدم الثانية تقييماً استخباراتياً إسبانياً يميز صراحة بين عدم وجود مساعدة مغربية نشطة، وبين اتهام السلطات المغربية بالسلبية أو الإهمال وفق تقدير الجهاز في تلك اللحظة.

وبذلك، فإن إثبات المسؤولية عن التخطيط أو التوجيه يحتاج إلى أكثر من مجرد وجود تجمعات على الحدود أو صور جوية أو تقييمات سياسية؛ فهو يتطلب ربط الأدلة بمصدرها وتاريخها وسياقها وتسلسلها، والتمييز بين المعلومة الاستخباراتية، والتقييم الاستخباراتي، والادعاء الصحافي، والاستنتاج السياسي.

للإطلاع على الوثائق:

**المستودع الرسمي للوثائق الأربعين الخاصة بأزمة سبتة:** [وثائق الحكومة الإسبانية حول أزمة سبتة](https://www.lamoncloa.gob.es/consejodeministros/paginas/informes-y-comunicaciones-situacion-ceuta.aspx?utm_source=chatgpt.com)

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك