هل نعيش نهاية داعش وصعود فروع القاعدة؟

هل نعيش نهاية داعش وصعود فروع القاعدة؟
ديكريبتاج / الأحد 28 يونيو 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي

المقدمة

شهد العقد الماضي تحولات دراماتيكية في ديناميكيات الجماعات الجهادية العالمية، حيث برز تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) كقوة مهيمنة بإعلانه "الخلافة" عام 2014، ثم تراجع نفوذه الجغرافي بشكل كبير. في المقابل، يبدو أن تنظيم القاعدة، الذي كان يُعتقد أنه في طور التراجع، يعيد تنظيم صفوفه ويعزز نفوذه عبر فروعه الإقليمية، خاصة في القارة الأفريقية . تهدف هذه الدراسة إلى تحليل هذه التحولات، مع التركيز على العوامل التي أدت إلى تراجع داعش وصعود فروع القاعدة، وتقديم استشراف لمستقبل التهديد الجهادي العالمي.

تراجع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش):

بعد ذروة نفوذه وسيطرته على مساحات واسعة في العراق وسوريا، تعرض تنظيم داعش لضربات عسكرية قاسية أدت إلى فقدانه لمعظم أراضيه. هذا التراجع الإقليمي لم يعنِ نهاية التنظيم، بل تحول إلى نموذج تمرد لامركزي يعتمد على الخلايا النائمة والعمليات الأمنية المحدودة في معاقله السابقة، مع نقل ثقل عملياته إلى (الولايات) البعيدة، لا سيما في أفريقيا.

كشفت الاحداث عن صراعات فكرية عميقة داخل تنظيم داعش، تمحورت أساسا حول قضية التكفير وحدود الغلو. هذه الخلافات لم تكن هامشية، بل أثرت في بنيته التنظيمية وأدت إلى اعتقالات وإعدامات وانشقاقات. برز تيار متشدد، عرف ب(الحازميين)، تبنى مفهوم (تكفير العاذر)، أي تكفير من يعذر المشركين بالجهل، مما أدى إلى دوامة لا تنتهي من التكفير شملت غالبية المسلمين وحتى قيادات التنظيم.

في المقابل، ظهر تيار اخر اتهم بعض شرعيي التنظيم بـ(الإرجاء)، أي التساهل في التكفير. حاولت قيادة التنظيم، ممثلة بأبي بكر البغدادي، احتواء هذه الأزمة عبر تسويات فكرية وإجراءات أمنية صارمة، بما في ذلك إلغاء مذكرات مثيرة للجدل وسجن قادة التيار المتشدد ومع ذلك لم تنجح هذه المعالجات في إنهاء الخلاف جذريا، وظل التنظيم يعيش انقساما مستمرا بين تيار يدفع نحو مزيد من التشدد واخر يسعى لوضع ضوابط للتكفير. تزامن اشتداد هذه الصراعات مع الهزائم العسكرية، مما يشير إلى أن الأزمات الميدانية كانت تغذي الخلافات العقدية بدل أن توحد الصفوف، وتهدد تماسك التنظيم ومستقبله على المدى البعيد

مع تراجع نفوذه في المشرق، أعاد داعش توجيه جهوده نحو مناطق أخرى، مستغلا هشاشة الدول والفراغات الأمنية. أصبحت أفريقيا، وخاصة منطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد، بؤرا رئيسية لنشاط فروعه مثل ولاية غرب أفريقيا (ISWAP) وولاية الساحل (ISSP) . في سوريا، تحول التنظيم إلى استراتيجية(رفع تكلفة الحكم)، مستهدفا القوات الحكومية الجديدة ومستغلا انسحاب بعض القوات الدولية .

صعود فروع القاعدة:استراتيجية التكيف والانتشار الإقليمي

على عكس داعش، الذي ركز على بناء دولة مركزية، تبنت القاعدة منذ فترة طويلة استراتيجية الجهاد اللامركزي عبر فروع محلية تتكيف مع البيئات الإقليمية. هذه الاستراتيجية أثبتت مرونة أكبر في مواجهة الضغوط الدولية، مما سمح لفروعها بالصعود في مناطق جديدة .

الساحل الأفريقي:المركز الجديد للجهاد العالمي

أصبح الساحل الأفريقي، الذي يضم دولا مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر، مركز الثقل الجديد للجهاد العالمي. تستفيد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM)، الفرع الرئيسي للقاعدة في المنطقة، من ضعف الحكومات، الانقلابات العسكرية، والفراغ الأمني الناتج عن انسحاب القوات الغربية . لقد تمكنت JNIM من السيطرة على مساحات واسعة، وبناء حكم من خلال الاندماج مع المجتمعات المحلية وتقديم الخدمات، مما منحها شرعية ونفوذا يفوق غالبا نفوذ فروع داعش في المنطقة .

الصومال:حركة الشباب كنموذج

في الصومال، تواصل حركة الشباب، الفرع الصومالي المرتبط بالقاعدة، فرض سيطرتها على مناطق واسعة، مستفيدة من هشاشة الدولة والانقسامات القبلية. نفذت الحركة مئات الهجمات في عام 2025، بما في ذلك هجمات منسقة واغتيالات استهدفت مسؤولين حكوميين وقواعد عسكرية، وتهدد العاصمة مقديشو . تشير التقارير إلى أن حركة الشباب تتلقى دعما لوجستيا وعسكريا، بما في ذلك تقنيات الطائرات المسيرة، من أطراف إقليمية مثل الحوثيين في اليمن، مما يعزز قدراتها العملياتية .

المنافسة بين القاعدة وداعش

تتسم العلاقة بين القاعدة وداعش في مناطق الصراع بالمنافسة والتعايش المعقد. في الساحل، تدور مواجهات بين JNIM وولاية الساحل التابعة لداعش، لكن القاعدة أظهرت قدرة أكبر على كسب الولاءات المحلية والاندماج الاجتماعي . في أفغانستان، يمثل تنظيم داعش خراسان (IS-K) تهديدا كبيرا لطالبان، بينما تحافظ القاعدة على علاقة هادئة ومحمية مع طالبان . هذه المنافسة تدفع كلا التنظيمين إلى التكيف وتطوير تكتيكاتهما.

الأبعاد الجيوسياسية والاستجابات الدولية

تأثر المشهد الجهادي بشكل كبير بالتحولات الجيوسياسية والاستجابات الدولية، التي غالبًا ما خلقت فراغات أمنية استغلها التنظيمان.

في مايو 2026، أطلقت الإدارة الأمريكية الجديدة استراتيجية لمكافحة الإرهاب تركز على (سحق التهديد)، مع تحول الاهتمام نحو الكارتلات والعصابات في نصف الكرة الغربي . هذه الاستراتيجية أظهرت تراجعا في التركيز على الوقاية والتعاون متعدد الأطراف، وانسحبت الولايات المتحدة من عدة منظمات دولية لمكافحة الإرهاب، مما أدى إلى فراغ في القيادة الدولية وحمل الاتحاد الأوروبي عبء قيادة جهود الوقاية . هذا الانسحاب خلق فجوات استخباراتية وعملياتية، خاصة في أفريقيا، مما سمح للجماعات الجهادية بالتمدد .

استغلت روسيا الفراغ الأمني وتزايد المشاعر المعادية للغرب في الساحل لتعزيز نفوذها. تحول دورها من مجموعة فاغنر إلى (فيلق أفريقيا) التابع لوزارة الدفاع الروسية، معتمدة على نموذج (الأمن مقابل الموارد) (الذهب واليورانيوم) . ومع أن الوجود الروسي يهدف إلى حماية الأنظمة الحاكمة، إلا أنه لم يترجم إلى تحسن أمني ملموس، بل أدى إلى زيادة في الانتهاكات وتفاقم الأوضاع الأمنية في بعض المناطق، مما دفع السكان نحو الجماعات الجهادية .

استشراف المستقبل:هل نعيش نهاية داعش وصعود فروع القاعدة؟

إن استشراف مستقبل الحركات الجهادية يقتضي تجاوز المقاربة التي تربط بقاء التنظيمات المسلحة بقدرتها على السيطرة الإقليمية، لأن التجارب التاريخية أثبتت أن خسارة الأرض لا تعني بالضرورة نهاية التنظيم أو انقراض الأيديولوجيا التي يستند إليها. فقد شهدت العقود الأخيرة انهيار العديد من التنظيمات المسلحة بوصفها كيانات عسكرية، لكنها تمكنت من إعادة إنتاج نفسها في أشكال تنظيمية جديدة أكثر مرونة وأقل عرضة للاستهداف. ومن هذا المنطلق، فإن السؤال حول ما إذا كنا نعيش نهاية تنظيم داعش أم صعود فروع القاعدة لا يمكن الإجابة عنه بمنطق ثنائي، وإنما من خلال فهم التحولات البنيوية التي يعرفها المشهد الجهادي العالمي.

لقد انتهى عمليا مشروع الدولة الذي سعى تنظيم داعش إلى بنائه بين عامي 2014 و2019، بعد أن فقد معظم الأراضي التي سيطر عليها في العراق وسوريا، وتعرضت بنيته القيادية والعسكرية إلى ضربات متتالية أفقدته القدرة على إدارة مؤسسات حكومية أو فرض سيطرة إقليمية مستقرة. كما انخفضت جاذبيته بوصفه نموذجا للهجرة والجهاد، بعدما كان ينجح في استقطاب عشرات الآلاف من المقاتلين الأجانب من مختلف القارات. كذلك تراجعت قدرته على التخطيط لهجمات استراتيجية واسعة النطاق في أوروبا وأمريكا الشمالية، نتيجة تشديد الرقابة الأمنية وتفكيك شبكات التجنيد والتمويل، فضلا عن الانقسامات الفكرية والتنظيمية التي برزت داخل التنظيم، والتي كشفت عن وجود خلافات عميقة حول قضايا التكفير، وإدارة الولايات، وأسلوب التعامل مع الخصوم، وهي خلافات أضعفت التماسك الداخلي وقللت من قدرة القيادة المركزية على فرض الانضباط على الفروع البعيدة.

ومع ذلك، فإن هذا التراجع لا يعني اختفاء داعش بوصفه فاعلا جهاديا، بل انتقاله إلى مرحلة مختلفة تتسم باللامركزية والعمل الشبكي. فقد أصبح التنظيم يعتمد بصورة أكبر على الخلايا الصغيرة، والذئاب المنفردة، والفروع الإقليمية التي تتمتع بهامش واسع من الاستقلال العملياتي، مع احتفاظها بالولاء الرمزي للقيادة المركزية. ويبدو هذا التحول منسجما مع تطور البيئة الأمنية الدولية، حيث أصبحت السيطرة على الأرض أقل أهمية من القدرة على شن هجمات منخفضة الكلفة وعالية التأثير النفسي، واستغلال الفضاء الرقمي في التجنيد والدعاية، وتوظيف الأزمات المحلية لإعادة بناء قواعد النفوذ.

وفي المقابل، تبدو فروع القاعدة اليوم أكثر قدرة على تحقيق الاستمرارية مقارنة بتنظيم داعش، ليس لأنها تمتلك قيادة مركزية أقوى، وإنما لأنها تبنت منذ سنوات استراتيجية مختلفة تقوم على التدرج، والاندماج في البيئات المحلية، وتجنب الصدام المباشر مع المجتمعات التي تنشط داخلها. وقد أدركت قيادة القاعدة، بعد التجارب المريرة التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أن الإفراط في العنف ضد السكان المحليين أو إعلان الدولة قبل توافر شروطها يؤدي إلى استنزاف التنظيم وإثارة تحالفات دولية ضده، ولذلك أعادت صياغة استراتيجيتها بما يجعل الفروع الإقليمية أكثر استقلالا وقدرة على التكيف مع الخصوصيات السياسية والاجتماعية لكل منطقة.

ويظهر هذا التحول بوضوح في منطقة الساحل الإفريقي، حيث تمكنت الجماعات المرتبطة بالقاعدة من توسيع نفوذها عبر بناء تحالفات مع القبائل، واستثمار النزاعات الإثنية، واستغلال ضعف الدولة، والانخراط في الاقتصاد غير الرسمي، بما في ذلك شبكات التهريب والجباية المحلية. كما نجحت في تقديم نفسها، في بعض المناطق، باعتبارها سلطة بديلة توفر قدراً من الأمن أو تسوية النزاعات، وهو ما منحها درجة من الشرعية المحلية يصعب على التنظيمات ذات النزعة العالمية المتشددة تحقيقها. وينطبق الأمر ذاته على الصومال، حيث استطاعت حركة الشباب الحفاظ على حضورها العسكري والسياسي والاقتصادي رغم سنوات طويلة من العمليات العسكرية ضدها، مستفيدة من هشاشة مؤسسات الدولة واستمرار الانقسامات الداخلية.

ويعكس هذا الواقع تحولا مهما في طبيعة المنافسة بين التنظيمين؛ فإذا كان داعش قد راهن على إقامة دولة عابرة للحدود بصورة سريعة، فإن القاعدة تراهن على بناء نفوذ تدريجي طويل الأمد داخل البيئات الهشة، مع تجنب الخطوات التي تستفز المجتمع الدولي قبل ترسيخ قواعدها المحلية. ولذلك فإن معيار النجاح لم يعد يتمثل في حجم الأراضي الخاضعة للسيطرة، بل في القدرة على البقاء، والتكيف، وإعادة إنتاج النفوذ في ظل الضغوط الأمنية المستمرة.

كما تشير الاتجاهات الأمنية الحديثة إلى أن مركز الثقل الجهادي العالمي ينتقل بصورة متزايدة من الشرق الأوسط إلى إفريقيا، حيث تتوافر بيئات مناسبة لنمو التنظيمات المسلحة نتيجة ضعف الحكومات، واتساع المساحات غير الخاضعة لسيطرة الدولة، وانتشار النزاعات المسلحة، والفقر، والتغيرات المناخية، والصراعات على الموارد الطبيعية. ولم تعد إفريقيا مجرد ساحة فرعية للنشاط الجهادي، بل أصبحت المجال الأكثر دينامية لنمو الفروع المرتبطة بكل من القاعدة وداعش، مع تفوق نسبي للقاعدة في بعض المناطق نتيجة نجاحها في بناء شبكات اجتماعية ومحلية أكثر رسوخا.

وتشير المؤشرات الحديثة كذلك إلى أن التهديد الجهادي أصبح يتخذ طابعا عابرا للحدود بصورة متزايدة، حيث تقع نسبة كبيرة من العمليات الإرهابية بالقرب من المناطق الحدودية، وهو ما يعكس اعتماد التنظيمات على المساحات الحدودية الهشة التي تعاني ضعف الرقابة الأمنية، وتسمح بحرية الحركة بين الدول. كما أن الاستخدام المتزايد للطائرات المسيرة، وتقنيات الاتصالات المشفرة، والذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى الدعائي أو تحسين القدرات العملياتية، ينذر بمرحلة جديدة من التطور التكنولوجي للجماعات المسلحة، تجعل مواجهتها أكثر تعقيدا من المراحل السابقة.

وبناء على هذه المعطيات، فإن المشهد المستقبلي لا يشير إلى عودة تنظيم القاعدة بصورته الهرمية التقليدية التي عرفها العالم قبل عام 2001، كما لا يشير إلى عودة داعش بوصفه دولة إقليمية واسعة. بل يبدو أن المستقبل يتجه نحو نموذج جديد من الحركات الجهادية يقوم على الشبكات اللامركزية، والفروع الإقليمية المستقلة، والتحالفات المحلية، والاستفادة من هشاشة الدول أكثر من السعي إلى السيطرة المباشرة عليها. وفي هذا السياق، قد يكون النفوذ المتنامي لفروع القاعدة في إفريقيا أحد أبرز التحولات الاستراتيجية خلال السنوات المقبلة، في حين سيظل تنظيم داعش قادرا على إحداث تهديدات أمنية مؤثرة، لكن ضمن نموذج حرب العصابات والخلايا اللامركزية أكثر من نموذج الخلافة الذي شكل ذروة قوته بين عامي 2014 و2017. وبالتالي فإن الحديث عن (نهاية داعش) أو (عودة القاعدة) بصيغة مطلقة لا يعكس الواقع بدقة إذ إننا أمام إعادة تشكيل للخريطة الجهادية العالمية، تنتقل فيها المنافسة من الصراع على إقامة دولة مركزية إلى التنافس على بناء شبكات نفوذ محلية عابرة للحدود تتمتع بقدرة أكبر على التكيف والاستمرار.

تخلص الدراسة إلى أننا بالفعل نعيش نهاية تنظيم داعش كـ(خلافة) مركزية، لكن ليس نهاية وجوده كتهديد لامركزي. في المقابل، نشهد صعودا واضحا لفروع تنظيم القاعدة، خاصة في أفريقيا، التي أصبحت مركز الثقل الجديد للجهاد العالمي. هذا الصعود مدفوع باستراتيجية القاعدة التكيفية، وضعف الحكومات المحلية، والفراغ الأمني الناتج عن التحولات في الاستراتيجيات الدولية لمكافحة الإرهاب.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك