أنتلجنسيا:أبو فراس
دقت دراسة ميدانية حديثة ناقوس الخطر بشأن الدور المتنامي الذي أصبحت تلعبه منصات التواصل الاجتماعي في تغذية أحلام الهجرة غير النظامية لدى الشباب المغربي، بعدما كشفت معطيات مثيرة أن العالم الرقمي تحول من مجرد فضاء للتواصل وتبادل المعلومات إلى محرك فعلي يعزز الرغبة في مغادرة البلاد ويجعل الهجرة السرية تبدو طريقاً سريعاً نحو حياة أفضل.
وأظهرت نتائج الدراسة، التي أنجزها مرصد الشمال لحقوق الإنسان وسط عينة من 500 شاب وشابة من مناطق شمال المغرب، أن الأغلبية الساحقة من المستجوبين باتوا ينظرون إلى الهجرة غير النظامية باعتبارها فرصة لتحسين أوضاعهم المعيشية، وهو ما يعكس حجم التأثير الذي تمارسه المضامين الرقمية المتداولة يومياً على الهواتف الذكية وشبكات التواصل.
وكشفت الأرقام أن المحتويات المرتبطة بالهجرة أصبحت تحظى بمتابعة واسعة بين الشباب، حيث يحرص عدد كبير منهم على متابعة صفحات ومجموعات متخصصة في تقديم المعلومات والنصائح المتعلقة بطرق الهجرة والتحرك نحو أوروبا، ما يؤكد أن الفضاء الرقمي تحول إلى منصة موازية لتبادل الخبرات والتجارب وبناء شبكات افتراضية تجمع الراغبين في خوض مغامرة الهجرة.
وتبرز الدراسة أن المحتوى البصري يلعب الدور الأكثر تأثيراً في صناعة هذا الحلم، إذ تتصدر الفيديوهات والصور قائمة المواد الأكثر جذباً وتفاعلاً، متفوقة بشكل واضح على المنشورات النصية. ويعزو الباحثون ذلك إلى قدرة الصور ومقاطع الفيديو على نقل مشاهد النجاح والرفاهية بشكل مباشر ومؤثر، ما يجعلها أكثر قدرة على التأثير في مشاعر الشباب وتوجيه تصوراتهم حول الحياة خارج الوطن.
كما أظهرت النتائج أن قصص النجاح التي ينشرها مهاجرون أو صناع محتوى على المنصات الرقمية أصبحت تشكل عاملاً حاسماً في دفع مزيد من الشباب إلى التفكير في الهجرة غير النظامية، خاصة عندما يتم تقديم التجارب الإيجابية دون إبراز المخاطر والتحديات التي ترافق هذه الرحلات. وفي السياق نفسه، تلعب المنشورات التي تتناول البطالة والتهميش الاجتماعي والشعور بالظلم دوراً إضافياً في تغذية الرغبة في الرحيل، عبر ترسيخ قناعة لدى بعض الشباب بأن المستقبل الأفضل يوجد خارج الحدود.
ولم تتوقف آثار هذه المنصات عند حدود التأثير النفسي، بل امتدت إلى خلق نوع من التضامن الافتراضي بين الراغبين في الهجرة، حيث تساهم المجموعات الرقمية في تبادل المعلومات والتجارب وتوفير الدعم المعنوي، الأمر الذي يجعل فكرة الهجرة أكثر قبولاً وانتشاراً داخل الأوساط الشبابية.
ورغم هذا التأثير القوي، تؤكد الدراسة أن مواقع التواصل الاجتماعي ليست السبب الوحيد وراء تنامي الظاهرة، بل تعمل كعامل مضخم لأزمات أعمق ترتبط بالبطالة والهشاشة الاجتماعية وضعف الفرص الاقتصادية والشعور بالإقصاء. فالمحتوى الرقمي يجد أرضية خصبة للتأثير عندما يلتقي مع واقع اجتماعي صعب يدفع الشباب إلى البحث عن بدائل خارجية مهما كانت المخاطر.
وتحذر الدراسة من الاكتفاء بالمقاربات الأمنية في مواجهة الظاهرة، معتبرة أن الحلول الحقيقية تمر عبر سياسات شاملة تعالج جذور المشكلة من خلال توفير فرص الشغل وتحسين التعليم والتكوين المهني وتعزيز الحماية الاجتماعية والتنمية المجالية، إلى جانب نشر الوعي الرقمي ومواجهة المحتويات المضللة التي تقدم الهجرة السرية باعتبارها طريقاً مضموناً نحو النجاح.
وتأتي هذه المعطيات في وقت تتزايد فيه محاولات الهجرة الجماعية نحو الضفة الشمالية للمتوسط، ما يضع صناع القرار أمام تحدٍ متصاعد عنوانه الأكبر: كيف يمكن حماية الشباب من وهم يصنعه العالم الرقمي، بينما تستمر الأزمات الاجتماعية والاقتصادية في دفعهم إلى البحث عن الخلاص خلف البحار؟
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك