أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي
تشكل ظاهرة المقاطعة الانتخابية أحد أبرز مداخل قراءة أزمة التمثيل السياسي في الأنظمة العربية، أي تلك الأنظمة التي تجمع بين انتخابات دورية تنافسية نسبيا. ويندرج المغرب ضمن هذا النمط من الأنظمة، حيث تتعايش مؤسسة ملكية ذات صلاحيات تنفيذية وتحكيمية واسعة مع حكومة منبثقة عن الاقتراع ومسؤولة أمام البرلمان في حدود معينة (مركز الجزيرة للدراسات، 2023).
أدبيات المقاطعة الانتخابية في العلوم السياسية المقارنة
تصنف المقاطعة الانتخابية ضمن ما يسميه الأدب السياسي المقارن بـ(الاحتجاج الانتخابي) وهو استراتيجية تلجأ إليها المعارضة أو قطاعات من المواطنين حين تعتقد أن شروط التنافس غير عادلة أو أن المؤسسات المنتخبة عاجزة عن إحداث تغيير حقيقي.
طّرت الباحثة إيميلي بوليو (Emily Beaulieu) في كتابها المرجعي Electoral Protest and Democracy in the Developing World (2014) إطارا تحليليا يميز بين المقاطعة (الكبرى) التي تشارك فيها أغلب قوى المعارضة وتستهدف تعرية شروط اللعبة الانتخابية برمتها، والمقاطعة (الصغرى) التي تلجأ إليها أطراف محدودة للضغط من أجل مطالب جزئية. كما تظهر بوليو أن نتائج المقاطعة تختلف بحسب سياقها: فحين تحظى بدعم دولي فإنها ترفع احتمال حدوث إصلاح ديمقراطي، أما حين تبقى مقاطعة ذات طابع محلي بحت فإن احتمال الانزلاق نحو مزيد من التسلط يكون أكبر (Beaulieu, 2014؛ نقلا عن Cambridge University Press).
من جهتهما، قدم كل من هايد وبوليو (Hyde & Beaulieu, 2009) في دراستهما المنشورة في Comparative Political Studies تفسيرا يربط قرار المقاطعة بمنطق (التلاعب الاستراتيجي) في ظل وجود مراقبين دوليين للانتخابات، بينما طور باتورف وديون (Buttorff & Dion, 2017) نموذجا صوريا يفسر تفاوت خيارات المعارضة بين المشاركة والمقاطعة بعامل (عدم اليقين) بشأن قوة النظام الحقيقية، مستندين إلى حالة الأردن كمثال توضيحي.
هذا الإطار النظري مفيد لفهم الحالة المغربية لأنه يقترح مساءلة المقاطعة من زاويتين: زاوية الحساب الاستراتيجي للفاعلين السياسيين المنظَمين (أحزاب، حركات، تيارات)، وزاوية أزمة الثقة المجتمعية الأوسع التي تتجاوز الفاعلين المنظمين لتشمل قطاعات واسعة غير مؤطرة حزبيا — وهي الزاوية التي تبرز بقوة في الحالة المغربية الراهنة.
الخصوصية المغربية — ازدواجية استمرارية الدولة وتداول الحكومة
يفسر جزء من إشكالية المقاطعة في المغرب بطبيعة البنية المؤسساتية للنظام السياسي، حيث تحتل المؤسسة الملكية موقعا مركزيا محاطا بمؤسسات منتخبة وحكومة مسؤولة عن تدبير عدد من الملفات التنفيذية. وقد أظهرت دراسات أكاديمية حديثة، من بينها كتاب صدر ضمن أدبيات (السلطوية الانتخابية) ، أن أنظمة من هذا القبيل تسمح بتعددية حزبية شكلية على المستويين المحلي والوطني، بينما تبقي جانبا من فاعلية الانتخابات محدودا، وهو ما يفرز نمطا من الانتخابات المتكررة دون أن يقابلها بالضرورة تحول عميق في موازين السلطة (مركز الجزيرة للدراسات، 2023).
هذه الازدواجية بين حكومة متغيرة عبر صناديق الاقتراع ودولة تحافظ على استمرارية توجهاتها الكبرى عبر الولايات الحكومية المتعاقبة، هي ما يغذي لدى شريحة من المواطنين تصورا مفاده أن التصويت يغير الوجوه التنفيذية دون أن يمس جوهر القرار الاستراتيجي — وهو ما يفسر جزئيا تراجع الإحساس بجدوى التصويت لدى هذه الشريحة.
تعدد أنماط المقاطعة
من الناحية المنهجية، من الخطأ التعامل مع المقاطعين بوصفهم كتلة سياسية متجانسة. ويقترح الأدب السياسي حول المقاطعات في الأنظمة الاستبدادية والهجينة تمييزا بين أشكال سلمية للمقاطعة قائمة على الرفض المبدئي لشروط اللعبة، وأشكال أخرى ذات طابع ضغطي محدود الأهداف (Ahadli, 2025). وبالمثل يمكن التمييز في الحالة المغربية بين أربعة أنماط رئيسية:
1. المقاطعة الإيديولوجية: القائمة على رفض الأسس التي تقوم عليها العملية السياسية نفسها، بصرف النظر عن نزاهة إجراء بعينه.
2. المقاطعة الاحتجاجية: التي توظف كرسالة سياسية موجهة إلى الدولة والأحزاب، دون أن تعني بالضرورة رفضا كليا لفكرة الانتخاب.
3. المقاطعة المرتبطة بأزمة الثقة: حين لا يرى المواطن في المؤسسات المنتخبة قدرة فعلية على معالجة قضاياه الأساسية.
4. الامتناع اللامبالي: وهو ابتعاد عن الشأن السياسي برمته، لا يحمل بالضرورة موقفا إيديولوجيا واضحا.
هذا التمايز مهم لأن الخلط بين هذه الأنماط الأربعة في القراءات الإعلامية والسياسية يفضي غالبا إلى تفسيرات مختزلة لظاهرة معقدة ومتعددة الدوافع.
1. جماعة العدل والإحسان: مقاطعة إيديولوجية بنيوية
تمثل جماعة العدل والإحسان، ذات المرجعية الإسلامية، النموذج الأوضح للمقاطعة الإيديولوجية المستمرة منذ نشأتها. وقد عبر عدد من قياديي الجماعة عن هذا الموقف بربطه ببنية النظام الانتخابي ذاته، إذ صرح فتح الله أرسلان بأن الجماعة لم تدخل الانتخابات لأن وزارة الداخلية ما زالت هي الجهة المشرفة على العملية الانتخابية وعلى التقطيع الانتخابي، إلى جانب استمرار إقصاء ملايين المواطنين البالغين سن التصويت من التسجيل في اللوائح. وفي محطة انتخابية لاحقة، وصف مسؤول سياسي آخر في الجماعة، عبد الواحد متوكل، الانتخابات بكونها آلية معيبة من الناحية الدستورية والقانونية، مضيفا أن نسب المشاركة الرسمية مبالغ فيها من وجهة نظره، ومعتبرا أن الحل يكمن في التدافع المجتمعي المستمر لا في المشاركة الانتخابية.
2. النهج الديمقراطي: نقد يساري لحدود التحول عبر صناديق الاقتراع
على خلاف المرجعية الإسلامية للعدل والإحسان، عبر حزب النهج الديمقراطي، ذو المرجعية الماركسية-اللينينية، تاريخيا عن مقاربة نقدية مختلفة جذريا في أسسها الفكرية، لكنها التقت في بعض المحطات مع خيار المقاطعة انطلاقا من تشكيكه في قدرة المؤسسات المنتخبة، في ظل موازين القوى الحالية، على إحداث تحول بنيوي في السلطة. وتكشف هذه المفارقة أن أزمة الانتخابات في المغرب لا تختزل في الانقسام الكلاسيكي بين تيار إسلامي وتيار علماني أو يساري، بل تتجاوزه أحيانا إلى تقاطع غير متوقع بين مرجعيات متباعدة حول سؤال واحد: حدود ما يمكن أن تغيره صناديق الاقتراع.
3.التيارات السلفية الجهادية: رفض جذري لأدوات النظام السياسي
تختلف مقاطعة بعض الأوساط المرتبطة تاريخيا بالتيار السلفي الجهادي اختلافا نوعيا عن الأنماط السابقة، إذ لا تنبني على خيبة أمل من أداء حكومة أو حزب بعينه، بل على رفض مبدئي للنظام السياسي القائم وأدواته الانتخابية في حد ذاتها. وهذا ما يستوجب عدم الخلط منهجيا بين هذا النمط من الرفض الجذري وبين المقاطعة ذات الطابع الاحتجاجي أو الديمقراطي، لأن دوافعهما وأهدافهما السياسية متباينة كليا.
4. مقاطعة الشباب غير المنظَمة: من الاحتجاج المهيكل إلى العزوف الرقمي المنتشر
يشكل الشباب الفئة الأكثر دلالة على تحول نوعي في طبيعة المقاطعة، إذ لم تعد هذه الفئة بحاجة إلى تأطير حزبي أو تنظيمي لاتخاذ قرار الامتناع عن التصويت. فقد أفسح تراجع دور القنوات التقليدية لتكوين الرأي (الأسرة، المدرسة، الحزب، النقابة) المجال أمام الفضاء الرقمي ليصبح فضاء مركزيا لمقارنة الوعود بالنتائج وتبادل خطابات الاحتجاج خارج الأطر الحزبية. وينتج عن ذلك، بحسب متابعين للشأن المغربي، نمط من (المقاطعة غير المنظمة لكن شديدة الانتشار)، وهو نمط أكثر صعوبة بالنسبة للأحزاب لأنه لا يملك قيادة موحدة يمكن التفاوض معها.
أزمة الوساطة الحزبية كخلفية بنيوية
يذهب عدد من المتابعين إلى أن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في قرار المواطن الفردي بالمشاركة أو الامتناع، بل في تراجع قدرة الأحزاب السياسية على أداء وظيفتها التقليدية كحلقة وصل بين المجتمع والدولة. فحين يختزل دور الحزب، في وعي جزء من الرأي العام، في كونه آلية تستنفر قبيل موعد الاقتراع ثم تتراجع بعده، فإن الثقة في الوساطة الحزبية تتآكل تدريجيا، بصرف النظر عن نتائج أي استحقاق بعينه. وهذا ما يجعل بعض الباحثين يفضلون الحديث عن (أزمة تمثيل سياسي) أكثر من الحديث عن أزمة إقبال انتخابي محض، بالنظر إلى أن المشكلة تتجاوز لحظة التصويت إلى كامل السلسلة التي تربط التصويت بالمحاسبة (اليحياوي، مقابلة صحفية، 2026).
وتدعم هذا الطرح قراءات أكاديمية سابقة تناولت السياسة الانتخابية المغربية ضمن مفاهيم علم السياسة المقارن، والتي تتساءل عن مدى إسهام آليات الانتخاب، في مجملها، في وضع المغرب على سكة التحول الديمقراطي الفعلي، أم أنها تظل، من زاوية تحليلية معينة، أقرب إلى واجهة إجرائية لإعادة إنتاج التوازنات القائمة (عربي21، 2026، عرضا لدراسة أكاديمية حول السياسة الانتخابية بالمغرب 1963-2026).
في المقابل، تجدر الإشارة إلى أن أدبيات المقارنة الدولية حول المقاطعات الانتخابية تظهر أن نتائجها غالبا ما تكون محدودة الأثر على موازين القوى الفعلية، إذ يخلص عدد من الباحثين إلى أن المقاطعات نادرا ما تحدث تغييرا مباشرا وسريعا في التداول على السلطة (Ndjock, 1999؛ Smith, 2009، نقلا عن أدبيات مقارنة حول بقاء الأنظمة الهجينة). ويستند أصحاب هذا الطرح، ومن بينهم فاعلون سياسيون مغاربة مشاركون في العملية الانتخابية، إلى فكرة مفادها أن الامتناع عن التصويت يضعف بالضرورة الأحزاب والمؤسسات المنتخبة أكثر مما يضعف مراكز القرار غير المنتخبة، وأن التصويت نفسه لم يكن يوما حقا بديهيا بل نتاج صراعات تاريخية طويلة، مما يجعل من التفريط فيه، من وجهة نظرهم، تنازلا غير محسوب العواقب (pjd.ma، 2026). هذا الطرح يمثل الوجه الآخر للجدل، ويستحق أن يوضع في مقابل قراءة المقاطعين دون ترجيح أحدهما على الآخر بشكل قطعي، بالنظر إلى أن الحسم في هذا السؤال يبقى رهين معطيات تجريبية إضافية.
المقاطعة الانتخابية في المغرب ظاهرة مركبة، تتقاطع فيها حسابات استراتيجية لفاعلين سياسيين منظمين (العدل والإحسان، تيارات من اليسار الراديكالي، تيارات سلفية) مع ديناميات مجتمعية أوسع وأقل تنظيما (عزوف الشباب، أزمة الوساطة الحزبية، الفجوة بين الوعود والنتائج). ويبقى السؤال المركزي الذي تطرحه الانتخابات المقبلة متعلقا بمدى قدرة المؤسسات المنتخبة على إعادة بناء علاقة واضحة بين التصويت والمحاسبة في وعي المواطن، أكثر من ارتباطه بعدد الأحزاب المتنافسة أو نسب المشاركة الظرفية وحدها. وتظل هذه الخلاصة تحليلا مفتوحا على قراءات متعددة، بالنظر إلى تعدد المرجعيات النظرية والسياسية المتاحة لفهم الظاهرة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك