أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)
عاد ملف المشاركة السياسية لمغاربة العالم إلى واجهة النقاش الانتخابي بالمغرب، مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر الجاري، بعدما أعادت آلية التصويت بالوكالة طرح سؤال أعمق يتجاوز الجانب التقني والإجرائي، ويتعلق بمدى تمتع ملايين المغاربة المقيمين بالخارج بمشاركة سياسية مباشرة وكاملة في صناعة القرار الوطني.
وأعادت مطالب متداولة بين أفراد من الجالية المغربية النقاش حول جدوى التصويت بالوكالة، باعتبار أن تمكين الناخب المقيم خارج المملكة من تفويض شخص آخر للتصويت باسمه داخل المغرب قد يسهل ممارسة الحق الانتخابي، لكنه لا يعوض، في نظر منتقدين، إمكانية التصويت بشكل شخصي في بلد الإقامة واختيار ممثلين ينتمون فعلياً إلى دوائر انتخابية خاصة بمغاربة الخارج.
وأطلقت السلطات المغربية، في المقابل، منصة إلكترونية لتسهيل إنجاز وكالة التصويت عن بعد، بما يسمح للمغاربة المقيمين بالخارج والمسجلين في اللوائح الانتخابية بتفويض ناخب داخل المغرب للتصويت نيابة عنهم يوم الاقتراع، وهي آلية تستمر إلى غاية 22 شتنبر، أي عشية موعد الانتخابات.
وأثار هذا التدبير نقاشاً سياسياً متجدداً، بعدما اعتبر منتقدون أن الرقمنة قد تعالج جزءاً من الإشكال المرتبط بالإجراءات والمساطر، لكنها لا تحسم السؤال الأساسي المتعلق بالتمثيلية السياسية المباشرة لمغاربة العالم، خصوصاً أن المطالب تتجه منذ سنوات نحو إحداث دوائر انتخابية بالخارج وتمكين الجالية من اختيار ممثليها بشكل مباشر.
وتعيد هذه المطالب إلى الواجهة الفصل 17 من الدستور، الذي ينص على تمتع المغاربة المقيمين بالخارج بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشيح في الانتخابات، وهو ما يجعل النقاش حول طبيعة المشاركة الانتخابية للجالية مرتبطاً أيضاً بسؤال تنزيل هذا المبدأ على أرض الواقع.
وتكشف المعطيات المتداولة بشأن الانتخابات الحالية أن مغاربة العالم سيشاركون من خلال التصويت بالوكالة، دون وجود مكاتب اقتراع قنصلية أو دوائر تشريعية مخصصة لهم في الخارج، وهو ما يدفع عدداً من الأصوات إلى اعتبار الآلية الحالية خطوة لتسهيل المشاركة، لكنها لا تمثل بالضرورة الصيغة النهائية التي يطمح إليها جزء من الجالية.
وتتجاوز مطالب مغاربة العالم مسألة التصويت فقط، لتشمل أيضاً إحداث دوائر انتخابية خاصة بالخارج، وإقرار تمثيلية برلمانية أكثر وضوحاً، وتبسيط الإجراءات الانتخابية، بما يتيح للجالية الانتقال من موقع المواطن الذي يشارك بشكل غير مباشر إلى فاعل سياسي قادر على اختيار ممثليه ومساءلتهم.
وتمنح هذه المطالب النقاش بعداً سياسياً أكبر، خصوصاً أن الجالية المغربية تمثل كتلة بشرية واقتصادية واجتماعية وازنة، فيما يرى منتقدون أن حجم حضورها في الحياة السياسية لا يزال أقل من وزنها الديمغرافي والاقتصادي، الأمر الذي يجعل سؤال التمثيلية مطروحاً بقوة مع كل استحقاق انتخابي.
وتضع الانتخابات التشريعية الحالية الأحزاب السياسية أيضاً أمام اختبار قدرتها على مخاطبة مغاربة العالم باعتبارهم ناخبين وشركاء في صياغة السياسات العمومية، وليس فقط باعتبارهم مصدراً للتحويلات والاستثمار، خصوصاً مع تصاعد الأصوات المطالبة بتمثيلية أكثر فعالية داخل المؤسسات المنتخبة.
وتحول شعار "المواطنة الكاملة" المتداول في النقاش حول الجالية إلى عنوان سياسي يتجاوز مسألة الوكالة، ليطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل يكفي أن يتمكن المغربي المقيم بالخارج من التصويت عبر شخص آخر، أم أن المشاركة الديمقراطية تقتضي تمكينه من التصويت والترشح والتمثيل المباشر من بلد إقامته؟
وتكشف هذه الدينامية أن ملف مغاربة العالم لم يعد مجرد قضية إدارية مرتبطة بطريقة الإدلاء بالأصوات، وإنما أصبح اختباراً حقيقياً لمدى قدرة النموذج الانتخابي المغربي على استيعاب مواطنين يعيشون خارج التراب الوطني، لكنهم يحتفظون بحقوقهم وارتباطاتهم ومصالحهم داخل بلدهم.
وتبقى آلية التصويت بالوكالة خطوة عملية لتوسيع المشاركة في الاستحقاق المقبل، غير أن الجدل الذي رافقها يؤكد أن جزءاً من مغاربة العالم يطمح إلى ما هو أبعد من ذلك، أي الانتقال من المشاركة عن طريق التفويض إلى مشاركة سياسية مباشرة، ومن حق التصويت فقط إلى حق كامل في التمثيل وصناعة القرار.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك