حين لا يكفي الراتب للحياة القروض الربوية تتحول إلى ملاذ مؤلم للأسر المغربية

حين لا يكفي الراتب للحياة القروض الربوية تتحول إلى ملاذ مؤلم للأسر المغربية
ديكريبتاج / الخميس 10 شتنبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا

لم يعد اللجوء إلى القروض بالنسبة لعدد متزايد من المواطنين المغاربة مرتبطاً فقط بشراء منزل أو تمويل مشروع أو اقتناء سيارة، بل تحول لدى فئات واسعة إلى وسيلة لتدبير المصاريف اليومية وسد العجز بين الدخل وتكاليف الحياة، في ظل ارتفاع متواصل في أسعار عدد كبير من المواد والخدمات الأساسية.

 فأمام مصاريف الأعياد والدخول المدرسي والملابس والعطلة الصيفية والعلاج والتنقل وفواتير الماء والكهرباء والكراء والمواد الغذائية، يجد المواطن نفسه في مواجهة مع حسابات تفوق بكثير قدرته الشرائية، بينما تظل الأجور محدودة ولا تواكب الارتفاع الذي عرفته تكاليف المعيشة خلال السنوات الأخيرة، وهو ما جعل الاقتراض بالنسبة إلى بعض الأسر حلاً اضطرارياً لتأجيل الأزمة بدل التخلص منها، قبل أن تتحول الأقساط الشهرية والفوائد إلى عبء جديد يضغط على ميزانية الأسرة ويستنزف جزءاً مهماً من الدخل.

وتزداد صعوبة الوضع عندما يتعلق الأمر بالموظفين والأجراء الذين يفترض أن تمنحهم أجورهم نوعاً من الاستقرار الاجتماعي، إذ أصبح عدد منهم يجد نفسه غير قادر على مسايرة المتطلبات الأساسية للحياة دون الاستعانة بالاقتراض، فالراتب الذي كان يكفي في السابق لتغطية جزء كبير من الحاجيات أصبح يتوزع اليوم بين السكن والغذاء والنقل والفواتير ومصاريف الأبناء والعلاج، ولا يبقى منه في نهاية الشهر ما يسمح بمواجهة النفقات المفاجئة، ولذلك يلجأ البعض إلى مؤسسات التمويل أو القروض الاستهلاكية أو الاقتراض من المحيط الاجتماعي لتغطية مصاريف كان يفترض أن تدخل ضمن القدرة الطبيعية للأسرة، لتصبح حياة المواطن مرتبطة بدوامة من الديون والأقساط والالتزامات المتراكمة التي تلاحقه من شهر إلى آخر.

وتظهر أزمة القدرة الشرائية بشكل أكثر وضوحاً خلال المناسبات التي ترتفع فيها المصاريف بصورة استثنائية، فالأعياد أصبحت بالنسبة إلى العديد من الأسر محطة مالية ثقيلة بسبب تكاليف الملابس والمواد الغذائية والهدايا والتنقل ومصاريف الضيافة، بينما يتحول الدخول المدرسي إلى موسم آخر من الضغط نتيجة أسعار الكتب واللوازم والملابس والأحذية ومصاريف النقل والدروس، ولا تنتهي هذه الضغوط حتى تبدأ الأسر في مواجهة مصاريف أخرى مرتبطة بالعطلة الصيفية أو المناسبات العائلية أو إصلاحات المنزل أو أداء الديون السابقة، وفي كثير من الحالات لا يجد المواطن أمامه سوى الاستدانة لتغطية هذه الحاجيات، ما يعني أن جزءاً من دخله المستقبلي يتم استهلاكه قبل أن يصل إليه أصلاً.

أما المرض، فيمثل أحد أكثر الأسباب التي تدفع الأسر إلى الاقتراض، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بعلاجات أو فحوصات أو أدوية أو عمليات جراحية لا تغطيها التغطية الصحية بشكل كامل أو تتطلب مصاريف إضافية، فالأسرة التي تستطيع بالكاد تدبير احتياجاتها الشهرية قد تنهار ميزانيتها بالكامل أمام حالة صحية مفاجئة، وعوض أن يكون العلاج حقاً اجتماعياً متاحاً للجميع، يجد المواطن نفسه أحياناً مضطراً للبحث عن المال بأي وسيلة حتى لا يترك فرداً من أسرته دون علاج، وهنا تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة اجتماعية وإنسانية، لأن الفقر لا يظهر فقط في غياب الدخل، وإنما يظهر أيضاً عندما يصبح المرض أو فقدان العمل أو ارتفاع تكاليف التنقل سبباً كافياً لإغراق الأسرة في الديون.

ولا تتوقف الضغوط عند الأسر ذات الدخل المحدود فقط، بل بدأت تمتد بشكل واضح إلى شرائح من الطبقة المتوسطة والموظفين والأجراء الذين أصبحوا بدورهم يشعرون بأن مستوى المعيشة الذي اعتادوا عليه يتراجع باستمرار، فارتفاع أسعار السكن والنقل والمواد الغذائية والخدمات جعل المحافظة على المستوى نفسه من الاستهلاك أمراً أكثر صعوبة، كما أن الزيادات المحدودة في الأجور لا تستطيع في كثير من الحالات تعويض الارتفاع المتراكم في المصاريف، ولذلك أصبح المواطن يضطر إلى تقليص حاجياته أو تأجيل بعضها أو الاستدانة لتوفيرها، وهو ما يهدد بتآكل الطبقة المتوسطة التي تشكل إحدى ركائز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ويجعل الفارق بين الدخل الحقيقي وتكاليف الحياة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.

وتزداد خطورة ظاهرة الاقتراض عندما يتحول الدين من وسيلة استثنائية إلى جزء ثابت من الحياة اليومية، إذ يبدأ المواطن بقرض صغير لتغطية مصاريف معينة، ثم يجد نفسه بعد أشهر أمام أقساط متعددة وديون متراكمة، فيضطر إلى البحث عن قرض جديد لتسديد التزام سابق أو تمويل حاجة جديدة، وهكذا تدخل الأسرة في دائرة مغلقة يصبح الخروج منها أكثر صعوبة مع مرور الوقت، خصوصاً عندما تكون القروض مرتبطة بتكاليف وفوائد تجعل المبلغ الإجمالي الذي يؤديه المقترض أكبر بكثير من المبلغ الذي حصل عليه في البداية، الأمر الذي يطرح نقاشاً اجتماعياً عميقاً حول أسباب دفع المواطنين إلى الاقتراض من المؤسسات العامة والخاصة من أجل مصاريف استهلاكية أساسية كان يفترض أن يغطيها الدخل العادي.

إن ارتفاع الأسعار لا ينعكس فقط على قدرة المواطن على شراء المواد والخدمات، وإنما يعيد تشكيل سلوك الأسر وقراراتها ومستقبلها، فحين يصبح الراتب موجهاً بالكامل إلى الضروريات، تختفي القدرة على الادخار والاستثمار وتأمين المستقبل، ويصبح أي طارئ صحي أو عائلي أو مهني قادراً على قلب التوازن المالي للأسرة، كما أن استمرار ارتفاع تكاليف الحياة يدفع العديد من المواطنين إلى التخلي عن بعض احتياجاتهم الأساسية أو البحث عن بدائل أرخص أو اللجوء إلى الاستدانة، وفي المقابل تتزايد المخاوف من اتساع دائرة الفقر لتشمل أشخاصاً كانوا يعتبرون أنفسهم في السابق ضمن الطبقة المتوسطة والقادرة على مواجهة أعباء الحياة دون الحاجة إلى الاقتراض المستمر.

ويضع هذا الواقع مسألة الأجور والقدرة الشرائية في صلب النقاش حول النموذج الاجتماعي والاقتصادي في المغرب، لأن تحقيق معدلات نمو أو إطلاق مشاريع واستثمارات جديدة لا ينعكس بالضرورة بالشكل نفسه على الحياة اليومية للمواطن إذا ظلت الأسعار ترتفع بوتيرة تفوق نمو دخله، فالمعيار الحقيقي بالنسبة إلى الأسرة ليس فقط مقدار الراتب الذي تحصل عليه، وإنما ما تستطيع شراءه بهذا الراتب وما يبقى منه بعد أداء السكن والغذاء والنقل والتعليم والصحة، ومن هنا تبرز الحاجة إلى سياسات أكثر فعالية لحماية القدرة الشرائية ومراقبة الاختلالات التي تؤثر على الأسعار وتعزيز الأجور وتحسين الخدمات العمومية، حتى لا يجد المواطن نفسه مضطراً إلى الاقتراض من أجل تدبير أبسط ضروريات الحياة.

وفي ظل هذا الوضع، أصبح الحديث عن الفقر في المغرب لا يقتصر على الأسر التي لا تملك دخلاً أو التي تعيش في أوضاع هشّة، وإنما يمتد أيضاً إلى مواطنين وأجراء وموظفين يتوفرون على دخل ثابت لكنهم يجدون صعوبة متزايدة في تغطية تكاليف الحياة، وهو تحول اجتماعي يستحق نقاشاً واسعاً لأن فقدان القدرة على مسايرة المصاريف قد يدفع شرائح جديدة إلى الهشاشة والاعتماد على الديون، وإذا استمرت الهوة بين الأجور والأسعار في الاتساع، فإن القروض لن تكون سوى مسكن مؤقت لأزمة أعمق، بينما يبقى الحل الحقيقي مرتبطاً بقدرة الاقتصاد على خلق دخل يحافظ على قيمته، وبناء سياسات اجتماعية تجعل المواطن قادراً على العيش بكرامة دون أن يضطر إلى بيع جزء من مستقبله عبر الديون من أجل تمويل حاجيات حاضره.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك