أنتلجنسيا المغرب:فهد الباهي/م.إيطاليا
في العاشر من غشت من كل سنة، يعود ملف
مغاربة العالم إلى واجهة النقاش الوطني، لتعود معه الأسئلة القديمة والجديدة حول
أوضاع ملايين المغاربة المقيمين خارج أرض الوطن، وما يواجهونه من تحديات في بلدان
الإقامة، وما ينتظرهم من إكراهات عند العودة إلى المغرب.
فمغاربة العالم ليسوا مجرد جالية تعود
خلال فصل الصيف لقضاء العطلة بين الأهل والأحباب، بل يشكلون رافداً مهماً للاقتصاد
الوطني، ويساهمون بشكل كبير في تدفق العملة الصعبة إلى البلاد، كما تربطهم بالمغرب
علاقات اقتصادية واجتماعية وعائلية متينة.
غير أن هذه المساهمة الكبيرة تطرح
سؤالاً مشروعاً: هل يحصل مغاربة العالم على الخدمات والتسهيلات التي تتناسب مع حجم
مساهمتهم في الاقتصاد الوطني؟
عند العودة إلى أرض الوطن، يجد عدد من
أفراد الجالية أنفسهم أمام مجموعة من الصعوبات، خصوصاً في التعامل مع الإدارات
والمؤسسات العمومية. الإجراءات الإدارية، طول المساطر، تعدد الوثائق، وتأخر معالجة
بعض الملفات، كلها أمور تصبح أكثر تعقيداً بالنسبة لشخص يعيش خارج المغرب ولا يملك
سوى فترة قصيرة لإنهاء معاملاته.
فالمهاجر الذي يعود إلى المغرب يكون
غالباً مرتبطاً بموعد محدد للعودة إلى بلد الإقامة، وبعمل والتزامات أسرية ومهنية
لا تسمح له بقضاء أسابيع طويلة في الإدارات بحثاً عن وثيقة أو توقيع أو تسوية ملف.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إدارة أكثر
سرعة ومرونة، وإلى رقمنة حقيقية للخدمات الموجهة إلى مغاربة العالم، بما يسمح لهم
بإنجاز أكبر قدر ممكن من معاملاتهم عن بُعد، دون أن تتحول عطلتهم إلى رحلة شاقة
بين المكاتب والمصالح الإدارية.
لكن المشاكل لا تتوقف عند حدود
الإدارة.
هناك أيضاً ملفات مرتبطة بالاستثمار،
والعقار، والمنازعات، والخدمات القنصلية، وحماية حقوق أفراد الجالية، إضافة إلى
قضايا اجتماعية وأسرية وقانونية يجد بعض المغاربة المقيمين بالخارج صعوبة في
التعامل معها من مسافة آلاف الكيلومترات.
وفي الجانب السياسي، يظل مطلب التمثيلية
السياسية لمغاربة العالم داخل البرلمان من أكثر الملفات إثارة للنقاش. فالجالية
التي تشكل جزءاً مهماً من المجتمع المغربي، وتساهم اقتصادياً ومالياً واجتماعياً
في بلدها، لا تزال تطالب بآلية واضحة وفعالة تمكنها من المشاركة المباشرة في
الحياة السياسية الوطنية.
وقد ظل موضوع إشراك مغاربة العالم في
المؤسسات المنتخبة مطروحاً منذ سنوات، إلا أن تنزيل تمثيلية سياسية فعلية لهم داخل
البرلمان ما زال متأخراً، الأمر الذي يعيد في كل مناسبة السؤال حول أسباب استمرار
هذا التأخير، وحول متى سيتم الانتقال من النقاش إلى القرار والتفعيل.
إن الاحتفال باليوم الوطني للمهاجر لا
ينبغي أن يقتصر على الخطابات والاحتفاء بمغاربة العالم خلال فترة الصيف، بل يجب أن
يكون مناسبة سنوية لتقييم السياسات العمومية الموجهة إليهم، وقياس مدى نجاحها في
الاستجابة لمشاكلهم وانتظاراتهم.
فمغاربة العالم يريدون قبل كل شيء أن
يشعروا بأن وطنهم يفتح لهم الأبواب، وأن مساهمتهم مقدرة، وأن حقوقهم مصانة، وأن
الإدارة تتعامل معهم باعتبارهم مواطنين لهم حقوق وواجبات، وليس فقط باعتبارهم
مصدراً للعملة الصعبة.
وفي النهاية، فإن العلاقة بين المغرب
ومغاربة العالم أكبر من تحويلات مالية أو موسم عبور صيفي. إنها علاقة انتماء وهوية
ومصالح مشتركة.
ولهذا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في
الاحتفاء بمغاربة العالم ليوم واحد، وإنما في بناء سياسة متكاملة تجعل من باقي
أيام السنة فرصة لخدمتهم، والاستماع إلى مطالبهم، وإشراكهم في صناعة القرار.
فالسؤال الذي يفرض نفسه في 10 غشت ليس
فقط: ماذا قدم مغاربة العالم لوطنهم؟
بل أيضاً: ماذا قدم الوطن لمغاربة العالم؟
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك