أنتلجنسيا:أبو آلاء
مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، فجّرت التنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين ملفاً إنسانياً واجتماعياً حساساً ظل لسنوات خارج دائرة الاهتمام السياسي، موجهة نداءً مباشراً إلى الأمناء العامين ورؤساء الأحزاب المغربية، ومطالبة إياهم بالخروج من دائرة الصمت وتقديم مواقف واضحة تجاه آلاف المواطنين الذين أنهوا عقوباتهم القانونية، لكنهم ما زالوا يعيشون تبعاتها الاجتماعية والصحية والاقتصادية.
رسالة قوية إلى الأحزاب:لا تطلبوا الأصوات قبل سماع المعاناة
في رسالة مفتوحة حملت لهجة صريحة وحاسمة، أكدت التنسيقية أنها لا تبحث عن مكاسب سياسية أو اصطفافات انتخابية، بل تسعى إلى فتح نقاش جدي حول أوضاع فئة من المواطنين وجدت نفسها بعد الإفراج عنها أمام واقع قاسٍ، حيث انتهت العقوبة داخل أسوار السجن، لكنها استمرت خارجها بأشكال مختلفة من التهميش والإقصاء والمعاناة.
وأوضحت أن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يجيب عنه الفاعلون السياسيون اليوم لا يتعلق بالشعارات الانتخابية أو الوعود الكبرى، بل بمصير أشخاص يحاولون استعادة حياتهم وكرامتهم بعد سنوات من الاعتقال، في ظل غياب برامج فعلية للإدماج الاجتماعي والصحي وجبر الضرر.
اتهامات بالصمت وإغلاق الأبواب
وكشفت التنسيقية أنها حاولت التواصل مع مؤسسات رسمية ومع المجلس الوطني لحقوق الإنسان من أجل طرح ملفها ومناقشة مطالبها المرتبطة بالإدماج وجبر الضرر، غير أنها لم تجد، بحسب الرسالة، التجاوب الذي كانت تنتظره.
كما أكدت أنها طرقت أبواب عدد من الأحزاب السياسية باعتبارها مؤسسات يفترض أن تلعب دور الوساطة بين المجتمع والدولة، إلا أن النتيجة كانت، وفق تعبيرها، صمتاً أو تردداً أو تجاهلاً لملف تعتبره من القضايا الإنسانية والحقوقية التي تستوجب اهتماماً عاجلاً.
أسئلة محرجة في وجه الطبقة السياسية
ووضعت التنسيقية قادة الأحزاب أمام سلسلة من الأسئلة المباشرة التي قد تتحول إلى أحد الملفات المحرجة خلال المرحلة الانتخابية المقبلة، من قبيل موقف الأحزاب من الإدماج الاجتماعي والصحي لقدماء المعتقلين، ورؤيتها لجبر الضرر الناتج عن سنوات الاعتقال، واستعدادها لفتح نقاش مؤسساتي مسؤول حول هذا الملف.
وأكدت أن من حق المواطنين معرفة مواقف الأحزاب من القضايا التي تمس الفئات المهمشة قبل منحها أصواتهم وثقتهم، معتبرة أن تجاهل هذه الأسئلة أو الهروب منها لن يلغي المشكلة بل سيؤجلها فقط.
من العقوبة إلى الإقصاء الدائم
وسلطت الرسالة الضوء على المعاناة اليومية التي يعيشها عدد من المعتقلين السابقين وأسرهم، مشيرة إلى أن آثار الاعتقال لا تتوقف عند لحظة الإفراج، بل تمتد لسنوات طويلة على المستويات النفسية والاجتماعية والصحية والاقتصادية.
وأبرزت أن العديد من الأسر ما تزال تدفع ثمن سنوات الاعتقال من خلال صعوبات الاندماج وفقدان فرص العمل وتداعيات صحية ونفسية مستمرة، وهو ما يطرح، بحسب أصحاب الرسالة، أسئلة جوهرية حول مدى جدية الحديث الرسمي عن الإدماج والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان.
اختبار حقيقي لشعارات حقوق الإنسان
وترى التنسيقية أن المرحلة المقبلة تفرض شجاعة سياسية من نوع مختلف، تقوم على التعامل مع ملف قدماء المعتقلين باعتباره قضية إنسانية مرتبطة بالكرامة والعدالة الاجتماعية، وليس مجرد ملف عابر أو موضوع مؤجل إلى ما بعد الانتخابات.
وشددت على أن الحكومات تتغير والأغلبيات البرلمانية تتبدل، لكن معاناة المتضررين لا تختفي بتغير موازين القوى السياسية، مؤكدة أن التاريخ لن يتذكر فقط من فاز بالمقاعد والمناصب، بل أيضاً من امتلك الجرأة للإنصات إلى أصوات من ظلوا سنوات طويلة خارج دائرة الاهتمام.
رسالة أخيرة:من يفتح الباب؟
وفي ختام رسالتها، وجهت التنسيقية نداءً مؤثراً إلى جميع الأحزاب المغربية، داعية إياها إلى استقبال ممثليها والاستماع إلى ملفاتها وشهاداتها قبل إصدار أي أحكام أو مواقف مسبقة.
وأكدت أن مطلبها الأساسي لا يتجاوز الحق في الإنصاف والإدماج والاعتراف بالمعاناة، متسائلة بلهجة حادة: هل ستختار الأحزاب الإصغاء إلى هذه الأصوات قبل طلب أصوات الناخبين، أم ستبقى أسيرة الصمت في ملف يعتبره أصحابه اختباراً حقيقياً لمدى التزام الطبقة السياسية بكرامة الإنسان والعدالة الاجتماعية؟
النص الكامل لرسالة قدماء المعتقلين الإسلاميين إلى الأمناء العامين للأحزاب المغربية:
إلى الأمناء العامين ورؤساء الأحزاب السياسية المغربية المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة الموضوع: قبل أن تطلبوا أصوات المواطنين… اسمعوا أصوات الذين لم يسمعوا بعد السادة الأمناء العامون ورؤساء الأحزاب السياسية نكتب إليكم اليوم ونحن على أبواب استحقاقات انتخابية جديدة، لا لنطلب منكم دعما انتخابيا، ولا لنضعكم أمام اصطفاف سياسي، ولا لنطالبكم بتبني مواقف أيديولوجية تخص الماضي. نكتب إليكم فقط لنطرح عليكم سؤالا بسيطا، لكنه بالنسبة إلينا ولأسرنا سؤال حياة وكرامة: ماذا ستفعلون من أجل مواطنين قضوا سنوات من أعمارهم في السجون، ثم خرجوا منها ليجدوا أن العقوبة انتهت قانونا، لكنها لم تنته اجتماعيا وإنسانيا؟ نحن، في التنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين، حاولنا أن نطرق أبواب المؤسسات. وتواصلنا مع المجلس الوطني لحقوق الإنسان من أجل الاستماع إلى معاناتنا ومناقشة قضية جبر الضرر والإدماج الاجتماعي والصحي، لكننا لم نجد إلى اليوم الإنصات الذي كنا ننتظره. وحاولنا كذلك الوصول إلى الأحزاب السياسية، لأننا نؤمن أن الأحزاب ليست فقط أدوات للوصول إلى المؤسسات، وإنما هي جزء من الوساطة بين المجتمع والدولة، ومن واجبها أن تسمع أيضا إلى الفئات التي لا تملك قوة الضغط ولا النفوذ ولا المنابر. لكن المؤلم أننا وجدنا أنفسنا أمام صمت أو تردد أو أبواب مغلقة. ولذلك نضع قضيتنا أمامكم اليوم، ليس كونها قضية فئة تبحث عن امتياز، وإنما باعتبارها اختبارا حقيقيا لمعنى دولة القانون، ولقدرة المجتمع السياسي على النظر إلى الإنسان بعد انتهاء العقوبة. نحن لا نطلب منكم أن تتبنوا أخطاء الماضي، ولا أن تدافعوا عن أفكار أو مواقف اختلفتم معها، ولا أن تعيدوا كتابة التاريخ. نطلب شيئا أكثر بساطة وعمقا أن تنظروا إلى الإنسان الذي خرج من السجن. أن تنظروا إلى الأب الذي عاد إلى أسرته بعد سنوات غياب. إلى الأم التي تحملت وحدها أعباء الأسرة. إلى الأبناء الذين كبروا بعيدا عن آبائهم. إلى المعتقل السابق الذي خرج إلى المجتمع وهو يحمل اثارا نفسية واجتماعية وصحية واقتصادية لا تنتهي بمجرد فتح باب السجن. وإلى الذين يجدون أنفسهم اليوم، بعد سنوات من الإفراج، أمام سؤال بسيط: كيف نبدأ حياة جديدة ونحن لا نزال ندفع ثمن مرحلة انتهت؟ لقد تحدث المغرب كثيرا عن الإدماج وإعادة الإدماج، وعن حقوق الإنسان، وعن معالجة آثار الماضي، وعن بناء مجتمع متماسك لا يقصي أبناءه. لكننا نسأل: أين نحن من هذا كله؟ أين هو الإدماج الاجتماعي؟ أين هو الإدماج الصحي؟ أين هو الاعتراف بالاثار التي خلفتها سنوات الاعتقال؟ وأين هو النقاش الجدي حول جبر الضرر بالنسبة إلى من وجدوا أنفسهم، بعد الإفراج، أمام اثار ممتدة على حياتهم وأسرهم ومستقبلهم؟ السادة قادة الأحزاب، أنتم اليوم تستعدون لاستحقاق انتخابي جديد. وأنتم ستطلبون من المواطنين أصواتهم وثقتهم. ومن حق المواطن، قبل أن يمنح صوته، أن يعرف موقف الحزب الذي يطلب ثقته من قضايا المواطنين الذين يعيشون على هامش الاهتمام السياسي. نحن لا نقول لكم: صوتوا لصالحنا. ولا تبنوا خطابنا. ولا نقول لكم ادخلوا في مواجهة مع أي مؤسسة من مؤسسات الدولة. نقول لكم فقط اسمعونا. استقبلوا ممثلي التنسيقية. اطلعوا على ملفاتنا. استمعوا إلى شهاداتنا. اسألوا عن أوضاعنا الاجتماعية والصحية. ثم اتخذوا موقفكم بحرية ومسؤولية. لكن لا تجعلوا الصمت هو الموقف. فالصمت السياسي أمام معاناة اجتماعية لا يلغي المشكلة، وإنما يؤجلها. وإننا نعتقد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى شجاعة سياسية من نوع اخر شجاعة أن تنظر الدولة والمجتمع والأحزاب إلى ملف المعتقلين السابقين باعتباره ملفا من ملفات الإدماج والعدالة الاجتماعية وجبر الضرر. لقد انتهت العقوبات بالنسبة إلى كثير منا منذ سنوات. فهل يجب أن تستمر اثارها الاجتماعية والصحية إلى ما لا نهاية؟ لقد خرجنا من السجون، لكن بعضنا لم يخرج بعد من اثار السجن. وهنا تقع مسؤولية الدولة والمجتمع والأحزاب وكل المؤسسات التي تؤمن بأن الإنسان يمكن أن يبدأ من جديد. إننا نوجه هذه الرسالة إلى جميع الأحزاب، سواء كانت اليوم في الحكومة أو في المعارضة، وسواء كانت ستشارك في الحكومة مستقبلا أو ستظل خارجها. لأن الحكومات تتغير. والأغلبيات تتغير. والبرلمانات تتغير. لكن القضايا الإنسانية لا تتغير بتغير موازين السلطة. ولذلك نريد من كل حزب أن يجيب عن سؤال واضح ما هو موقفكم من الإدماج الاجتماعي والصحي لقدماء المعتقلين؟ وما هو موقفكم من جبر الضرر عن الاثار التي خلفتها سنوات الاعتقال؟ وهل أنتم مستعدون لفتح نقاش مؤسساتي حول هذا الملف؟ إنها أسئلة بسيطة، لكنها بالنسبة إلى أسر كثيرة تعني سنوات من الانتظار. وقد يكون موقفكم من هذه القضية صغيرا في حسابات الانتخابات، لكنه كبير جدا في حياة إنسان ينتظر منذ سنوات أن يجبر ضرره. نحن لا نريد أن نعيش أسرى الماضي. نريد أن نغلق هذا الماضي بطريقة تحفظ الكرامة، وتفتح باب المستقبل. نريد أن ننتقل من السجن إلى المجتمع، ومن العقوبة إلى الإدماج، ومن الصمت إلى الاعتراف بالمعاناة، ومن الإقصاء إلى المواطنة الكاملة. ولهذا نمد أيدينا إلى كل حزب، دون استثناء، ونقول: تعالوا واسمعوا قبل أن تحكموا. تعالوا وانظروا قبل أن تتحدثوا. تعالوا واسألوا قبل أن تتبنوا المواقف. فربما لا تستطيعون تغيير الماضي، لكن بإمكانكم أن تساعدوا في تغيير حاضر إنسان ما زال يعيش اثار ذلك الماضي. ستنتهي الانتخابات، وستتغير الحكومات، وستتبدل المواقع والكراسي، لكن ذاكرة الذين عاشوا الألم لا تتغير بتغير نتائج صناديق الاقتراع. وسيأتي يوم لا يسأل فيه السياسيون فقط: من فاز؟ ومن خسر؟ بل سيسألون سؤالا أعمق: حين كان مواطنون يطرقون الأبواب طلبا للإنصاف، من فتح لهم بابه؟ حين كان الألم يروى، من أنصت؟ حين كان الصمت أسهل من الموقف، من اختار أن يتكلم؟ وحين كان بالإمكان أن يبدأ جبر الضرر، من امتلك شجاعة المبادرة؟ فالتاريخ لا يحفظ فقط أسماء من وصلوا إلى السلطة، بل يحفظ أيضا أسماء من امتلكوا الشجاعة، في لحظة كان الصمت فيها أسهل، فأنحازوا إلى كرامة الإنسان. واليوم، قبل أن تطلبوا أصوات المواطنين، نضع بين أيديكم أصواتا لم تجد بعد من يسمعها. فهل ستكونون ممن سمعوا؟ أم ممن صمتوا؟ عن التنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك