أنتلجنسيا:أبو جاسر
وسط وعود رسمية متكررة بإعادة التوازن إلى سوق اللحوم الحمراء وإنقاذ الثروة الحيوانية الوطنية، تكشف حصيلة السنوات الأخيرة عن واقع صادم يطرح أسئلة ثقيلة حول مصير مليارات الدراهم التي ضُخت في القطاع دون أن تنعكس على جيوب المواطنين أو على حجم القطيع الوطني الذي واصل التراجع بوتيرة مقلقة.
البداية كانت مع سلسلة اجتماعات وبرامج استعجالية أطلقتها الحكومة بهدف معالجة الاختلالات التي ضربت قطاع تربية الماشية، حيث رُفعت شعارات تحقيق الأمن الغذائي وتعزيز الإنتاج الوطني وتحصين السوق من التقلبات. كما تم الإعلان عن استثمارات واتفاقيات ضخمة تجاوزت قيمتها 14 مليار درهم لتطوير سلسلة اللحوم الحمراء والرفع من مردوديتها خلال السنوات المقبلة.
لكن ما وقع على أرض الواقع سار في اتجاه مغاير تماماً للتوقعات المعلنة. فبدل أن ترتفع القدرة الإنتاجية وينتعش القطيع الوطني، شهد القطاع تراجعاً حاداً في أعداد الماشية، في وقت استمرت أسعار اللحوم في التحليق إلى مستويات غير مسبوقة، لتتحول الوعود إلى مادة للجدل والنقاش داخل الأوساط الشعبية والمهنية.
ومع تفاقم الأزمة، فتحت السلطات الباب أمام استيراد أعداد ضخمة من الأغنام والماشية بهدف تخفيف الضغط على السوق وكبح موجة الغلاء. كما تم منح إعفاءات جمركية وضريبية مهمة للمستوردين، إضافة إلى برامج دعم مالي بمئات الملايين من الدراهم، على أساس أن تنعكس هذه الإجراءات على الأسعار وأن تساهم في تجديد القطيع الوطني الذي أنهكته سنوات الجفاف المتتالية.
غير أن النتيجة النهائية ظلت بعيدة عن الأهداف المعلنة. فالأسعار واصلت ارتفاعها، واللحوم بقيت بعيدة عن متناول شرائح واسعة من المواطنين، بينما لم تسجل المؤشرات الميدانية أي تحول جوهري يسمح بالحديث عن نجاح السياسات المتبعة. بل إن أرقام الثروة الحيوانية كشفت تراجعاً لافتاً خلال السنوات الأخيرة، ما زاد من حدة الانتقادات الموجهة لتدبير هذا الملف الحساس.
وتحولت قضية الدعم والإعفاءات إلى محور أساسي في النقاش العمومي، خصوصاً مع تزايد التساؤلات حول مدى فعالية الأموال التي تم تخصيصها للقطاع، وحول الجهات التي استفادت منها، وحول الأسباب التي جعلت المستهلك المغربي لا يلمس أي انعكاس حقيقي لهذه الإجراءات على أسعار اللحوم أو الأضاحي.
وفي خضم هذا الجدل، جاء قرار إعفاء المواطنين من بعض الأعباء المرتبطة بعيد الأضحى ليخفف مؤقتاً من حدة التوتر الاجتماعي ويجنب آلاف الأسر ضغوطاً مالية إضافية كانت تهدد قدرتها الشرائية. إلا أن هذا القرار، رغم أهميته الظرفية، لم يلغ الأسئلة الجوهرية المرتبطة بأسباب الأزمة الحقيقية وبكيفية تدبير قطاع استراتيجي يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.
فالملف اليوم لم يعد يتعلق فقط بارتفاع الأسعار أو بنقص رؤوس الماشية، بل أصبح مرتبطاً بمسألة الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة وتقييم السياسات العمومية التي استهلكت اعتمادات مالية ضخمة دون أن تحقق النتائج المنتظرة. كما أن حجم الخسائر التي تكبدها مربو الماشية والانعكاسات التي طالت القدرة الشرائية للمواطنين جعلت المطالب ترتفع بفتح نقاش واسع حول مستقبل القطاع وكيفية إعادة بنائه على أسس أكثر نجاعة وشفافية.
وفي وقت يستعد فيه المغرب لاستحقاقات دولية كبرى ومشاريع تنموية ضخمة، يظل سؤال الثروة الحيوانية والأمن الغذائي مطروحاً بإلحاح: كيف تم صرف كل هذه الأموال دون تحقيق الأهداف المعلنة؟ ومن سيتحمل مسؤولية الاختلالات التي قادت إلى هذا الوضع؟ والأهم من ذلك، هل تملك الجهات المعنية رؤية حقيقية لإنقاذ القطاع ومنع تكرار السيناريو نفسه في السنوات المقبلة، أم أن الأزمة ستبقى مفتوحة على مزيد من المفاجآت غير السارة؟
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك