قطيع المغرب ينمو فوق أرض هشة ونموذج تربية الماشية يقترب من الانفجار

قطيع المغرب ينمو فوق أرض هشة ونموذج تربية الماشية يقترب من الانفجار
ديكريبتاج / الإثنين 27 أبريل 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو آلاء

لم يعد نمو قطاع تربية الماشية في المغرب مؤشراً مطمئناً كما يبدو في الظاهر، بل أصبح يخفي أزمة بنيوية عميقة تتفاقم بصمت، حيث تتقاطع موجات الجفاف المتكررة مع اختلالات هيكلية تهدد استمرارية هذا النشاط الحيوي، وتضع الأمن الغذائي الوطني على حافة اختبار غير مسبوق.

في قلب هذا المشهد المتوتر، تتكشف مفارقة صادمة: قطاع يحقق نسب إنتاج مهمة ويشكل دعامة أساسية للاقتصاد القروي، لكنه في العمق يقوم على توازن هش، يعتمد بشكل متزايد على استيراد الأعلاف وتقلبات الأسواق الخارجية، في وقت تتراجع فيه الموارد المائية وتتزايد القيود المناخية بشكل حاد.

المعطيات الرسمية تؤكد أن الدولة ضخت مليارات الدراهم في برامج استعجالية، من قبيل تقليص آثار العجز المطري وإعادة تكوين القطيع، غير أن هذه التدخلات، رغم أهميتها، تظل أقرب إلى مسكنات ظرفية لا تعالج جوهر الأزمة، الذي يتطلب تحولا جذرياً في نموذج الإنتاج برمته، قائم على الابتكار التكنولوجي وتعزيز الاعتماد على الموارد المحلية.

وفي هذا السياق، حذر رضوان عرّاش من أن أزمة تربية الماشية تتجاوز بكثير تأثير الجفاف، مؤكداً أنها نتيجة تحولات عميقة تعيد تشكيل العالم القروي وتزيد من هشاشة المربين، في ظل نظام لم يعد قادراً على امتصاص الصدمات المناخية والاقتصادية المتلاحقة.

الرهان اليوم لم يعد فقط في الحفاظ على القطيع، بل في القدرة على إطعامه، حيث يطرح السؤال الحاسم نفسه بقوة: كيف يمكن ضمان تغذية عشرات الملايين من رؤوس الماشية في ظل ندرة المياه وارتفاع أسعار الأعلاف؟ وهو التحدي الذي يكشف حدود النموذج الحالي، ويضعه أمام لحظة مفصلية بين الاستمرار أو الانهيار.

الاعتماد المتزايد على الأعلاف المستوردة يفاقم هذا الوضع، إذ يحول القطاع إلى رهينة للأسواق الدولية، ويقوض فكرة السيادة الغذائية، في وقت باتت فيه الصدمات المناخية أكثر تواتراً وحدة، ما يجعل أي اضطراب خارجي كفيلاً بإرباك التوازن الداخلي بشكل سريع.

ورغم أن ارتفاع أسعار اللحوم والحليب ساهم نسبياً في إنقاذ المربين من سيناريو الانهيار الذي عرفه المغرب خلال ثمانينيات القرن الماضي، فإن هذا “الإنقاذ” جاء على حساب المستهلك، الذي وجد نفسه في مواجهة موجة غلاء غير مسبوقة، تكشف أن الأزمة لم تُحل بل تم فقط تأجيل انفجارها.

من جهته، أقر محمد بلافريج بأن ما يسمى “مفارقة الأداء” يعكس حقيقة صادمة: إنتاجية مرتفعة لكنها مبنية على أسس غير مستقرة، تعتمد على موارد خارجية ونظام هش لا يصمد أمام التقلبات المناخية، ما يفرض ضرورة إعادة التفكير في حكامة القطاع وتبني حلول تقنية وجينية قادرة على تعزيز صموده.

ورغم أن القطاع يضخ عشرات المليارات من الدراهم في الاقتصاد ويوفر ملايين أيام العمل، فإن هذه الأرقام تخفي واقعاً أكثر تعقيداً، حيث تكشف تطورات القطيع عن اختلالات واضحة، مع نمو قوي في بعض الأنواع مقابل تراجع مقلق في أخرى، ما يعكس غياب توازن استراتيجي في تدبير الثروة الحيوانية.

في ظل هذه المعطيات، تبدو الاستراتيجية الفلاحية المقبلة أمام تحدٍ حقيقي: إما الانتقال إلى نموذج صامد يضع الاستدامة في قلبه، أو الاستمرار في مسار هش قد يؤدي إلى أزمة أعمق تمس الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي، في بلد لم يعد يملك ترف تأجيل القرارات الحاسمة.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك