أنتلجنسيا:أبو جاسر
أعادت معطيات حديثة حول مستوى ثقة المغاربة في المؤسسات العمومية، إشعال نقاش حاد بشأن واقع التمثيلية السياسية وفعالية التدبير العمومي، بعدما كشفت مؤشرات مثيرة عن اتساع فجوة الثقة بين المواطنين والمؤسسات المنتخبة والتنفيذية، في مشهد يثير الكثير من علامات الاستفهام حول مستقبل العلاقة بين الدولة والمجتمع.
الشرارة الجديدة لهذا النقاش جاءت من قراءة قدمها الباحث والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي لنتائج دراسة أنجزتها مؤسسة "أفروبارومتر" وشملت عدداً من الدول الإفريقية، حيث توقف عند الأرقام المتعلقة بالمغرب والتي أظهرت مستويات محدودة من الثقة في عدد من المؤسسات الأساسية. وبدلاً من الاكتفاء بالنسب المعلنة، اختار الباحث تسليط الضوء على الوجه الآخر للأرقام، معتبراً أن الصورة تصبح أكثر وضوحاً عندما تُقرأ من زاوية حجم عدم الثقة بدل مستوى الثقة.
فإذا كانت نسبة الثقة في الحكومة لا تتجاوز 18 في المائة، فإن ذلك يعني أن أغلبية ساحقة من المواطنين لا تمنحها ثقتها. والأمر نفسه ينطبق على البرلمان والجماعات الترابية، حيث تعكس الأرقام وجود هوة آخذة في الاتساع بين المواطنين والهيئات المفترض أن تمثلهم أو تدبر شؤونهم اليومية.
وتحمل هذه المؤشرات، وفق متابعين، دلالات تتجاوز الأرقام المجردة، لأنها تلامس أحد أكثر الملفات حساسية داخل أي نظام سياسي، وهو ملف الشرعية التمثيلية والثقة المجتمعية. فكلما تراجعت الثقة في المؤسسات، تزايدت صعوبة إقناع المواطنين بالسياسات العمومية والإصلاحات المقترحة، وارتفعت حدة الانتقادات الموجهة للأداء الحكومي والبرلماني والمحلي.
اللافت أن هذه النتائج تأتي في سياق يتسم بتصاعد النقاشات المرتبطة بغلاء المعيشة، والتشغيل، وجودة الخدمات العمومية، ومدى قدرة المؤسسات المنتخبة على ترجمة انتظارات المواطنين إلى سياسات ملموسة. كما تتزامن مع استمرار الجدل حول نجاعة برامج التنمية وفعالية آليات ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي ملفات ظلت حاضرة بقوة في النقاش العمومي خلال السنوات الأخيرة.
وفي تعليق مقتضب حمل الكثير من الرسائل، اعتبر اليحياوي أن الأرقام تتحدث عن نفسها ولا تحتاج إلى شروحات مطولة، في إشارة إلى أن حجم عدم الثقة المسجل كفيل وحده بإبراز عمق الإشكال المطروح. وهي قراءة يراها كثيرون مؤشراً على أن الأزمة لم تعد مرتبطة بمؤسسة واحدة أو قطاع محدد، بل أصبحت تمس مختلف مستويات التدبير العمومي.
ويرى مراقبون أن التحدي الأكبر لم يعد يقتصر على تحسين المؤشرات الرقمية أو رفع نسب الرضا بشكل ظرفي، بل يتعلق بإعادة بناء جسور الثقة عبر نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية، سواء على مستوى الخدمات أو العدالة المجالية أو فرص الشغل أو جودة السياسات العمومية. فاستعادة المصداقية، وفق هذا الطرح، أصبحت إحدى القضايا المركزية التي ستحدد قدرة المؤسسات على استرجاع مكانتها وتعزيز حضورها داخل المجتمع.
وبين أرقام الدراسة وقراءة الباحث لها، يطفو سؤال جوهري على السطح: هل تمثل هذه المؤشرات مجرد لحظة عابرة من التذمر المجتمعي، أم أنها تعكس تحولاً أعمق في نظرة المواطنين إلى المؤسسات السياسية والإدارية؟ سؤال يضع مختلف الفاعلين أمام مسؤولية البحث عن أجوبة عملية قبل أن تتحول أزمة الثقة إلى معطى أكثر تعقيداً وتأثيراً في المشهد الوطني.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك