أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا
تشهد الهجرة من المغرب نحو أوروبا
تصاعداً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، سواء عبر المسارات النظامية المرتبطة بعقود
العمل والدراسة أو عبر طرق غير نظامية تنطلق من سواحل الشمال والجنوب في اتجاه
إسبانيا وإيطاليا، وهو ما تعكسه المعطيات التي تنشرها هيئات أوروبية مثل وكالة
فرونتكس والمنظمة الدولية للهجرة، حيث يسجل حضور متزايد للمهاجرين المغاربة ضمن
تدفقات الهجرة نحو الضفة الشمالية للمتوسط.
الأرقام وحدها لا تروي القصة كاملة،
لأن خلف كل رقم شاباً يحمل حلماً مؤجلاً أو شهادة عليا لم تفتح له أبواب الشغل،
فالبطالة في صفوف الشباب، خاصة الحاصلين على الإجازات والماسترات، أصبحت عاملاً
ضاغطاً يدفع كثيرين إلى البحث عن فرصة خارج الحدود، بعدما اصطدموا بسوق عمل محدود
الاستيعاب لا يكافئ سنوات التحصيل العلمي.
إلى جانب البطالة، يبرز شعور واسع لدى
فئات من الشباب بأن مناصب المسؤولية والفرص الجيدة لا توزع دائماً على أساس
الكفاءة، بل كثيراً ما تُحتكر داخل دوائر ضيقة مرتبطة بالنفوذ أو الانتماء
العائلي، وهو ما يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص ويجعل هذا الشعار يبدو في نظر
البعض مجرد عبارة متداولة في الخطابات الرسمية دون أثر ملموس في الواقع اليومي.
الأجور الزهيدة في عدد من القطاعات،
مقابل ارتفاع كلفة المعيشة، تعمق الإحساس بالاختناق الاقتصادي، إذ يجد خريج
الجامعة نفسه أمام رواتب بالكاد تغطي المصاريف الأساسية، في بيئات عمل قد يسودها
الاستغلال أو غياب الحماية الاجتماعية الكافية، ما يجعل عرض عمل بسيط في أوروبا
يبدو أكثر جاذبية رغم الغربة والتحديات.
عامل الكرامة حاضر بقوة في خطاب
المهاجرين المحتملين، فالشعور بالغبن أو ما يسمى بالحكرة داخل بعض الإدارات أو
أماكن العمل يولد إحساساً بالإقصاء وفقدان التقدير، وهو شعور لا يقل ثقلاً عن
الضائقة المادية، لأن الإنسان لا يبحث فقط عن دخل، بل عن اعتراف بقيمته واحترام
لحقوقه كمواطن.
كما أن المقارنة المستمرة عبر وسائل
التواصل الاجتماعي بين أنماط العيش في أوروبا والواقع المحلي تغذي صورة ذهنية
مثالية عن الهجرة، حيث تُعرض قصص النجاح في الخارج بشكل مكثف، بينما تُخفى صعوبات
الاندماج والغربة والعمل الشاق، ما يدفع كثيرين إلى المجازفة معتقدين أن الضفة
الأخرى تحمل حلاً سحرياً لكل الإخفاقات.
هذا النزيف البشري، إذا استمر
بالوتيرة نفسها، لا يعني فقط خسارة طاقات شابة متعلمة، بل يكشف عن حاجة ملحة إلى
مراجعة عميقة لسياسات التشغيل والأجور وربط المسؤولية بالمحاسبة وترسيخ تكافؤ
الفرص فعلياً لا خطابياً، حتى يتحول الوطن من محطة انتظار مؤقتة إلى فضاء حقيقي
لتحقيق الذات بكرامة وعدل.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك