أنتلجنسيا:أبو جاسر
لم تعد أزمة بلدان المغرب العربي مقتصرة على الاقتصاد والبطالة وغلاء المعيشة، بل بدأت معركة صامتة أخرى تتشكل في العمق، عنوانها التراجع الحاد في عدد المواليد، في تحول ديموغرافي وُصف بأنه غير مسبوق ويهدد بإعادة رسم مستقبل المنطقة بأكملها. أرقام جديدة كشفت أن المغرب والجزائر وتونس دخلت مرحلة حساسة من الانخفاض المتسارع في الخصوبة، وسط مخاوف متزايدة من شيخوخة سكانية قد تفرض تحديات ثقيلة على سوق الشغل وأنظمة التقاعد والنمو الاقتصادي لعقود مقبلة.
دراسة ديموغرافية فرنسية حديثة دقت ناقوس الخطر، بعدما سجلت تراجعاً وصف بـ”التاريخي” في عدد الولادات داخل دول المغرب العربي، معتبرة أن هذا المنحى لم يعد ظرفياً أو مرتبطاً بمرحلة مؤقتة، بل يبدو مستقراً على المدى الطويل، بما ينذر بتحول جذري في البنية السكانية للمنطقة.
المشهد الأكثر إثارة للقلق يكمن في السرعة التي انهارت بها معدلات الخصوبة، بعدما كانت المرأة في المغرب العربي خلال سبعينيات القرن الماضي تنجب ما بين سبعة وثمانية أطفال في المتوسط، قبل أن تتراجع الأرقام بشكل حاد إلى نصف هذا المستوى تقريباً منذ مطلع التسعينيات، لتدخل اليوم مستويات غير مسبوقة تاريخياً.
في المغرب، بلغ معدل الخصوبة مستوى وُصف بالأدنى على الإطلاق، بعدما سجل أقل من طفلين لكل امرأة سنة 2024، وهو رقم يقترب من العتبة التي تجعل الأجيال الجديدة غير قادرة على تعويض الأجيال السابقة عددياً. أما تونس، فقد دخلت وضعاً أكثر حدة مع تراجع المعدل إلى مستويات منخفضة للغاية، بينما ظلت الجزائر نسبياً في مستوى أعلى، رغم أنها بدورها تعرف اتجاهاً نزولياً واضحاً بعد سنوات من الانتعاش الديموغرافي.
اللافت أن الجزائر، التي عاشت بين سنتي 2000 و2017 طفرة نسبية في الولادات تجاوزت خلالها ثلاثة أطفال لكل امرأة، بدأت تفقد هذا الزخم تدريجياً، فيما شهدت تونس انتعاشاً محدوداً قبل أن تعود الأرقام إلى الانخفاض بقوة. أما المغرب، فقد اتخذ منحى مختلفاً، إذ ظل التراجع متواصلاً وهادئاً منذ التسعينيات، إلى أن وصل اليوم إلى مرحلة توصف بالمفصلية.
وراء هذا التحول الديموغرافي تقف أسباب اجتماعية واقتصادية وثقافية متشابكة. ففي تونس، يرتبط جزء مهم من الظاهرة بتأخر سن الزواج، حيث باتت النساء يدخلن الحياة الزوجية في سن متقدمة نسبياً مقارنة بالعقود الماضية. أما في المغرب، فتشير المعطيات إلى توسع واضح في اللجوء إلى وسائل تنظيم الأسرة، مع ارتفاع نسب استعمال موانع الحمل وسط النساء المتزوجات إلى مستويات مرتفعة، في وقت تشهد فيه دول الجوار نسباً أقل نسبياً.
لكن ما يبدو مجرد أرقام وإحصائيات اليوم، قد يتحول غداً إلى معضلة استراتيجية ثقيلة، إذ إن استمرار تراجع المواليد يعني تقلص عدد الشباب وارتفاع نسبة المسنين، بما يهدد التوازن الديموغرافي ويزيد الضغط على الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية. وبينما كانت دول المغرب العربي تخشى لعقود من “الانفجار السكاني”، تجد نفسها اليوم أمام سؤال معاكس وأكثر تعقيداً: ماذا سيحدث عندما تبدأ المجتمعات في الشيخوخة قبل أن تحقق التنمية الكافية؟
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك