مدريد تُسقط الأقنعة وواشنطن تُمسك بملف الصحراء والمغرب يفرض منطق الحسم

مدريد تُسقط الأقنعة وواشنطن تُمسك بملف الصحراء والمغرب يفرض منطق الحسم
ديكريبتاج / الأحد 08 فبراير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:ياسر اروين

انتهى لقاء مدريد، بالطريقة التي تلخّص كل ما جرى داخل، حيث لا صور تذكارية، لا ندوة صحفية، ولا بيان مشترك.

وفود غادرت تباعًا مقر السفارة الأمريكية في صمت ثقيل، بينما بقي الوفد الأمريكي وحده ليصوغ رواية المرحلة المقبلة.

لم يكن الصمت علامة فراغ، بل إشارة واضحة إلى أن ما حُسم داخل القاعة أكبر من أن يُشرح أمام الكاميرات، وأن مسارًا كاملاً من إدارة النزاع دخل نهايته العملية.

اجتماع بلا مخرجات معلنة ونتائج تتجاوز العناوين

بهذه الخاتمة غير التقليدية، طُويت واحدة من أدق الجولات المرتبطة بتنزيل القرار الأممي 2797 حول الصحراء المغربية.

جولة لم تُقاس بما قيل، بل بما فُرض: مرجعية واحدة للنقاش، انتقال حاسم من السياسة العامة إلى التفاصيل التقنية، ورعاية أمريكية قررت مغادرة موقع “الوسيط المحايد” إلى موقع القائد الفعلي للمسار.

الواقعية السياسية تتحول إلى قاعدة إلزامية

التحول الجوهري في مدريد لم يكن في المواقف، بل في المنهج. فقد تم القطع عمليًا مع سنوات من “الغموض البناء”، وتعويضها بمنطق الواقعية السياسية باعتبارها الإطار الوحيد القابل للتنزيل. واقعية لا تُستخدم كشعار دبلوماسي، بل كمعادلة صارمة: لا حل خارج السيادة المغربية، ولا نقاش خارج مبادرة الحكم الذاتي.

في هذا السياق، دخل المغرب الاجتماع بثقة واضحة، مدعومًا بمبادرة تقنية محيَّنة، ومسنودة باعتراف دولي متنامٍ بكونها الحل الجدي والوحيد الممكن. في المقابل، وجدت الجزائر نفسها أمام تناقض مكشوف: كيف تواصل الادعاء بأنها “طرف غير معني”، وهي منخرطة فعليًا في نقاش تقني حول تفاصيل الحل؟

واشنطن تنتقل من التسيير إلى القيادة

أبرز ما ميّز لقاء مدريد هو التحول الأمريكي. استضافة الاجتماع داخل السفارة الأمريكية، واحتفاظ واشنطن وحدها بصياغة البيان الختامي، ليسا تفاصيل بروتوكولية، بل إعلان غير مباشر عن انتقال الولايات المتحدة من منطق إدارة الأزمة إلى منطق الحسم المرحلي.

النهج الأمريكي الجديد ربط الملف بجدول زمني، ونقله من نقاش سياسي عام إلى ورش تقني دقيق، محكوم بأفق الأسابيع والأشهر، لا بحسابات إقليمية مؤجلة.

المبادرة المغربية..الوثيقة الوحيدة على الطاولة

وفق معطيات متقاطعة، نجحت واشنطن في فرض قبول صريح بأن المبادرة المغربية المحيَّنة، في صيغتها التقنية المفصلة، هي المرجعية الوحيدة للنقاش. هذا التحول أنهى عمليًا أسطورة “تعدد الحلول” التي استُخدمت طويلًا لربح الوقت.

هنا تغيّر السؤال جذريًا: لم يعد النقاش حول مشروعية الحكم الذاتي، بل حول كيفية تنزيله، من الضرائب إلى القضاء، ومن الأمن المحلي إلى هندسة الصلاحيات. السياسة غادرت مستوى الشعارات، ودخلت لغة الأرقام والمؤسسات.

لجنة تقنية وخارطة طريق..نهاية التفاوض الدائري

من أبرز مخرجات مدريد الاتفاق على إحداث لجنة تقنية دائمة تضم خبراء قانونيين، تحت إشراف أمريكي-أممي، ما يخرج الملف من منطق الجولات الظرفية إلى مسار مؤسسي مستمر، ويجعل التراجع عنه مكلفًا سياسيًا.

أما تحديد موعد الجولة المقبلة في واشنطن خلال ماي المقبل للتوقيع على “اتفاق إطار”، فيؤشر على دخول المسار مرحلة اللاعودة، ووضع سقف زمني واضح لما سُمّي بـ“خارطة طريق مدريد 2026”.

الجزائر في الزاوية..حضور بلا صورة ومأزق بلا خطاب

في الجهة المقابلة، كشفت تفاصيل الشكل حجم الارتباك الجزائري. رفض الصورة الجماعية، والمغادرة الصامتة من أبواب جانبية، لم يكونا سلوكًا عابرًا، بل تعبيرًا عن حرج سياسي عميق: مشاركة فرضها الواقع، وعجز عن تبريرها داخليًا.

الارتباك ذاته ظهر في النقاش حول مفهوم “تقرير المصير”، حيث بدت الصيغة التقليدية فاقدة لأي زخم، في ظل ضغط أمريكي متزايد باتجاه ترجمة هذا المبدأ داخل إطار الحكم الذاتي المغربي.

ما بعد مدريد..ميزان قوى جديد في الملف

استراتيجيًا، يخرج المغرب من مدريد رابحًا: فرض لغته، ثبّت مرجعيته، ونقل الملف من التدبير السياسي إلى الهندسة المؤسسية. أما الولايات المتحدة، فقد كرّست نفسها كالفاعل الوحيد القادر على جمع الخصوم وفرض إيقاع التنفيذ.

البيان المنتظر من واشنطن قد لا يكون مجرد وثيقة دبلوماسية، بل إعلانًا لبداية العدّ العكسي لنهاية نزاع استُهلك سياسيًا. عبارات من قبيل “دعم ثابت للسيادة المغربية” و“الدعوة إلى الانتقال للتنفيذ” ستعني أن زمن المناورة انتهى.

في الخلاصة، لم يكن اجتماع مدريد سهلًا، لكنه كان حاسمًا. المغرب مرتاح لمسار تقني يعرف أنه يصب في صالحه، بينما تواجه الجزائر أضيق هامش دبلوماسي في تاريخ هذا الملف، بعد سقوط آخر أوراق التأجيل، وفرض واقع لم يعد قابلاً للإنكار.

 

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك