أنتلجنسيا:فتيحة الوديع
أقدم رئيس الحكومة عزيز أخنوش، وفي منعطف تشريعي مثير يعكس حجم الارتباك الذي يطبع تدبير ملف المحاماة، (أقدم)على إدخال تعديلات جوهرية ومفصلية على مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة، قبل إحالته رسمياً على البرلمان، في خطوة بدت وكأنها محاولة متأخرة لامتصاص الغضب المتصاعد داخل الجسم المهني، وإعادة ترتيب توازنات اختلت منذ الإعلان عن الصيغة الأولى للنص.
هذه التعديلات، التي وُلدت داخل أروقة المجلس الحكومي وصادق عليها وزير العدل عبد اللطيف وهبي بعد إثارتها خلال النقاش، مست ثلاثة أعمدة أساسية في مسار الولوج إلى المهنة، وفتحت من جديد باب الجدل حول منطق الإصلاح وحدوده، وحول الجهة التي تملك فعلياً القرار في هندسة القوانين المؤطرة للمهن القضائية.
أولى هذه التغييرات تمثلت في رفع السن الأقصى لاجتياز امتحان الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة إلى 45 سنة بدل 40، وهو تعديل قلب فلسفة الإقصاء العمري التي كان يتضمنها المشروع، وفتح الباب أمام فئات واسعة راكمت تجارب مهنية أو أكاديمية خارج التوقيت “المثالي” الذي حاول النص فرضه. خطوة اعتبرها كثيرون تصحيحاً لظلم صريح، فيما رآها آخرون اعترافاً ضمنياً بأن الصيغة الأولى كانت متسرعة ومنفصلة عن الواقع الاجتماعي.
التعديل الثاني فجّر بدوره نقاشاً عميقاً داخل كليات الحقوق، بعدما تم التراجع عن حصر اجتياز الامتحان في حاملي شهادة الماستر، والسماح من جديد لحاملي الإجازة بالتباري. قرار أنهى شهوراً من الاحتقان في صفوف آلاف الخريجين، وأعاد الاعتبار لمسار جامعي ظل لعقود بوابة طبيعية للمحاماة، قبل أن تحاول مقاربة تكنوقراطية ضيقة إغلاقه بقرار إداري مقنّع.
أما التعديل الثالث، فحمل دلالة لا تقل ثقلاً، ويتعلق بحذف امتحان نهاية فترة التمرين، وهو الامتحان الذي كان سيشكل مرحلة تصفية إضافية بعد سنوات من التكوين. إسقاط هذا المقتضى عكس توجهاً واضحاً نحو تبسيط مسار التأهيل وتقليص عدد “المطبات” التي اعتبرتها الهيئات المهنية غير مبررة وتفتح الباب أمام التحكم والانتقائية.
بهذه التعديلات، لم ينهِ رئيس الحكومة الجدل بقدر ما نقله إلى مستوى جديد، حيث بات السؤال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بمضمون التغييرات، بل بالمنهجية التي أُدير بها هذا الورش التشريعي، وبمدى انسجام الحكومة مع نفسها وهي تعيد صياغة قانون مفصلي تحت ضغط الاحتجاج والرفض المهني الواسع. قانون خرج إلى العلن مرتبكاً، ودخل البرلمان مثقلاً بالتناقضات، في انتظار مواجهة ساخنة تحت قبة المؤسسة التشريعية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك