أنتلجنسيا المغرب:فهد الباهي/م.إيطاليا
تروج في
الآونة الأخيرة سردية مثيرة للجدل تقول إن جيفري إبستين لم يمت، وإن ما جرى تقديمه
للرأي العام لم يكن سوى فصل مدروس في مسرحية أكبر تحركها توازنات السياسة الدولية
وصراعات الدولة العميقة. هذه السردية لا تُقدَّم باعتبارها خبراً موثقاً، بل
كقراءة بديلة تشكك في الرواية الرسمية، وتربط بين توقيت التسريبات التي عادت إلى
الواجهة وبين التحولات الحادة التي يعرفها المشهد الجيوسياسي، خصوصاً في ظل تصاعد
التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.
أنصار هذه القراءة يعتبرون أن لحظة إعادة تسريب وثائق وقوائم
مرتبطة بإبستين لم تكن بريئة، بل جاءت متزامنة مع ضغوط سياسية وعسكرية مورست على
الرئيس الأميركي دونالد ترامب لدفعه نحو مواجهة مباشرة مع إيران. ويذهب هذا الطرح
إلى أن التراجع المفاجئ عن التصعيد، بعد حشد عسكري وتهديدات غير مسبوقة، فتح الباب
أمام تأويلات تربط بين كلفة الحرب، وقدرات إيران العسكرية، والدعم الصيني، وبين
الحاجة إلى أوراق ضغط داخلية تعيد ترتيب المشهد السياسي الأميركي.
في هذا السياق، تُقدَّم إسرائيل في هذه السردية كفاعل مركزي يرى
في إيران التهديد الإقليمي الأخطر، باعتبارها القوة الوحيدة القادرة، نظرياً، على
نقل الصراع إلى عمق الأراضي التي تحتلها في فلسطين. ومن هنا، يربط مروجو هذه
الرواية بين عودة ملفات إبستين إلى التداول وبين ما يعتبرونه أدوات ضغط غير
تقليدية، هدفها خلط الأوراق، وإرباك الخصوم، وتوجيه النقاش العالمي بعيداً عن جوهر
الصراع العسكري.
التسريبات، حسب هذا الطرح، لم تقتصر على اسم سياسي واحد، بل
شملت شخصيات نافذة من عالم السياسة والمال والفن والتكنولوجيا، إضافة إلى أسماء
مرتبطة بعائلات ملكية وصناع محتوى. ويُفسر هذا الاتساع في الأسماء باعتباره محاولة
لإضفاء طابع شمولي على القضية، وإظهارها كحملة أخلاقية ضد الفساد، لا كاستهداف
انتقائي لشخص أو تيار بعينه، بما يخفف من حدة التركيز على أسماء محددة داخل المشهد
الأميركي.
القراءة نفسها تذهب أبعد من ذلك، لتربط بين ما تعتبره سوابق
تاريخية في توظيف شخصيات وظيفية داخل صراعات كبرى، وبين قصة إبستين. ويستحضر
أنصارها أمثلة من الحرب الباردة وما بعدها، حيث جرى الإعلان عن نهايات درامية
لشخصيات مثيرة للجدل، بينما ظلت الشكوك تحيط بملابسات اختفائها، دون أن تتوفر أدلة
دامغة تؤكد أو تنفي بشكل قاطع.
في قلب هذه السردية، يبرز ادعاء غير مثبت يقول إن إعلان وفاة
إبستين كان ضرورياً لإغلاق ملف محرج، مع الإبقاء عليه بعيداً عن الأضواء تحت حماية
مشددة، وفي فضاءات لا تخضع للرقابة التقليدية. هذه المزاعم تقدم باعتبارها فرضيات،
لا حقائق، لكنها تجد رواجاً في سياق عام يتسم بانعدام الثقة في الروايات الرسمية،
خاصة حين يتعلق الأمر بملفات تتقاطع فيها السلطة والمال والاستخبارات.
مع ذلك، لا يمكن إغفال أن كل ما يُروَّج في هذا الإطار يظل في
نطاق التأويل السياسي ونظريات الظل، في غياب أدلة قانونية أو معطيات مستقلة قابلة
للتحقق. فالقوة الرمزية لقضية إبستين لا تنبع فقط من شخصه، بل من الشبكات التي
كُشف عنها، ومن حجم الصدمة التي أحدثتها في الوعي العام، وهو ما يجعلها قابلة
لإعادة التوظيف كلما اشتدت الأزمات.
في المحصلة، تبقى مقولة أن
إبستين ما زال على قيد الحياة جزءاً من سردية أوسع تعكس أزمة ثقة عميقة في النظام
الدولي وآليات اشتغاله. هي سردية تغذيها لحظات التوتر الكبرى، وتستمد قوتها من
التناقضات والفراغات التي تتركها الروايات الرسمية، دون أن ترقى، إلى حدود الساعة،
إلى مستوى الحقيقة المثبتة أو القابلة للحسم.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك