قوانين صارمة على الورق وأحزاب فوق المحاسبة أو عندما يُعاقَب المرشح ويُكافَأ الحزب

قوانين صارمة على الورق وأحزاب فوق المحاسبة أو عندما يُعاقَب المرشح ويُكافَأ الحزب
تقارير / الأحد 08 فبراير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:لبنى مطرفي

مع تزامن دخول التعديلات الانتخابية الجديدة حيّز التنفيذ ونشر القانون التنظيمي رقم 53.25 المتعلق بمجلس النواب في الجريدة الرسمية، ومع العرض القوي لتقرير المجلس الأعلى للحسابات أمام البرلمان، لم يعد ممكنًا التعامل مع القوانين الانتخابية باعتبارها مجرد ترتيبات تقنية محايدة. نحن أمام لحظة سياسية كاشفة، تضع منظومة الانتخابات برمتها أمام مرآة محرجة: تشدد تشريعي معلن في مواجهة الأفراد، يقابله تساهل عملي مثير للريبة مع التنظيمات الحزبية.

القانون الجديد جاء حاسمًا في رسالته. لقد أدخل منطق السوابق القضائية والإدارية إلى صلب العملية الانتخابية، ووضع حدًا لمرحلة طويلة كان فيها صندوق الاقتراع بوابة خلفية للعودة بعد العزل أو الإدانة. الرسالة واضحة: السياسة لم تعد ملجأً آمناً لمن لفظهم القضاء أو ثبت تورطهم في اختلالات تمس المال العام. هذا التحول يُحسب تشريعيًا لوزارة الداخلية، ويعكس إرادة في إعادة ضبط شروط النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

غير أن هذه الصرامة، التي تُمارَس بدقة حين يتعلق الأمر بالمرشحين، تنهار فجأة عندما ننتقل من الفرد إلى الحزب. فبينما يُقصى شخص واحد بسبب حكم أو شبهة أو قرار عزل، تُترك أحزاب كاملة خارج أي مساءلة حقيقية، رغم ما كشفه تقرير المجلس الأعلى للحسابات من معطيات ثقيلة. التقرير، كما قدمته زينب العدوي، تحدث بوضوح عن أحزاب لم تُعد أموالًا عمومية تلقتها خلال استحقاقات سابقة، وأخرى عجزت عن تبرير مصاريفها بوثائق قانونية، في خرق صريح للقانون.

هنا يتحول النقاش من خطاب الأخلاق السياسية إلى سؤال جوهري حول العدالة الانتخابية. كيف يمكن لحزب لم يُصفِّ ذمته المالية مع الدولة أن يخوض انتخابات جديدة وكأن شيئًا لم يقع؟ بأي منطق يُحرَم فرد من حق الترشح بسبب اختلال محدود، بينما يُسمح لتنظيم سياسي كامل بالاستمرار رغم إخلالات تمس المال العام بشكل مباشر؟ المال الذي لم يُعاد ليس تفصيلاً محاسبياً، بل هو مال عمومي خُصص لضمان تنافس نزيه، وحين يُهدر أو يُصرف دون تبرير، فإننا أمام خرق خطير لقواعد النزاهة لا يقل جسامة عن الأسباب التي تؤدي إلى العزل الفردي.

الأخطر أن هذا الوضع يمر في صمت شبه كامل. تقارير المجلس الأعلى للحسابات تُستقبل بالتشخيص لا بالزجر، وبالتنبيه لا بالمحاسبة. لا عقوبات واضحة، ولا ربط بين تصفية الذمة المالية والحق في الاستفادة من الدعم العمومي أو المشاركة في الاستحقاقات المقبلة. وكأن هذه التقارير كُتبت لتُقرأ ثم تُنسى، لا لتُفعل آثارها السياسية والقانونية.

هذا الصمت يبعث برسالة واحدة لا لبس فيها: القانون قابل للتجزئة، وربط المسؤولية بالمحاسبة يُفعَّل عندما يكون الثمن سياسيًا محدودًا، ويُعطَّل عندما يهدد توازنات حزبية قائمة. وبهذا المنطق، تُعاد إنتاج الاختلالات نفسها في كل استحقاق، ما دام أقصى ما قد تواجهه الأحزاب هو ملاحظة في تقرير رسمي سرعان ما يتوارى خلف ضجيج الحملات الانتخابية.

نحن مقبلون على انتخابات يُفترض أن تعيد الثقة إلى العمل السياسي، لكن هذه الثقة تظل مجرد شعار فارغ ما دامت أحزاب لم تُرجع المال العام ولم تُبرر صرفه تُمنح حق التنافس دون قيد أو شرط. إذا كان العزل نهاية سياسية للفرد، فلماذا لا يكون الإخلال المالي نهاية سياسية للحزب؟ وإذا كان المال العام خطًا أحمر في الخطاب، فلماذا يتحول في الممارسة إلى منطقة رمادية؟ الخلل هنا لا يخص أحزابًا بعينها، بل يطال منظومة كاملة تُختبر اليوم بين خيارين لا ثالث لهما: محاسبة حقيقية تُطبق على الجميع، أو تطبيع صامت مع الإخلال قبيل استحقاقات يُراد لها أن تبدو ديمقراطية، حتى وإن كانت بعيدة عن العدالة.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك