أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي
شكلت أحداث الربيع العربي لحظة تاريخية فارقة في المشهد السياسي والاجتماعي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لم تقتصر تداعياتها على الأنظمة الحاكمة والقوى السياسية التقليدية، بل امتدت لتطال الحركات الأيديولوجية المختلفة، ومن أبرزها تيار السلفية الجهادية. لطالما بنت السلفية الجهادية، منذ نشأتها، تصوراتها حول التغيير على أساس مسلمة مركزية مفادها أن الأنظمة لا تزول إلا بالقوة، وأن العنف هو الأداة الحاسمة لكسر
)الطاغوت( وفرض )الحكم الشرعي(.غير أن اندلاع حركات شعبية واسعة، سلمية في أغلبها، نجحت في إسقاط أنظمة راسخة أو زعزعتها بوسائل جماهيرية غير مسلحة، شكل صدمة فكرية عميقة لهذا التيار، وأدخله في أزمة مركّبة يمكن وصفها بالأزمة المعرفية والعملية في ان واحد .
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الأزمة البنيوية التي واجهتها السلفية الجهادية في سياق الربيع العربي، من خلال استكشاف الأسباب العميقة لهذه الأزمة، وكيفية استجابة التيار لها، مع تقديم تحليلات حديثة ومراجعات فكرية تستند إلى أحدث الدراسات الأكاديمية في هذا المجال. سنسعى للإجابة عن تساؤلات حول مدى قدرة السلفية الجهادية على التكيف مع المتغيرات الإقليمية، ومستقبل خطابها في ظل التحولات الراهنة.
الأزمة البنيوية للسلفية الجهادية في مواجهة الربيع العربي
كشفت أحداث الربيع العربي عن قصور بنيوي في الإطار الفكري للسلفية الجهادية، حيث اصطدمت مسلماتها الأساسية بواقع مغاير تماما لتوقعاتها. يمكن تفصيل هذه الأزمة في عدة محاور رئيسية:
صدمة التغيير السلمي وانهيار مسلمة القوة
لطالما ارتكزت السلفية الجهادية على مبدأ حتمي مفاده أن التغيير الجذري لا يمكن أن يتحقق إلا عبر العنف المسلح وإسقاط الأنظمة بالقوة. هذه المسلمة، التي تشكل جوهر عقيدتها السياسية، تعرضت لاهتزاز عنيف مع مشاهد الملايين من المتظاهرين السلميين في شوارع العواصم العربية، الذين نجحوا في إسقاط رؤساء أو زعزعة عروش دون اللجوء إلى السلاح .لقد أثبتت الجماهير، ولو مؤقتا، أن هناك مسارا اخر للتغيير، مسارا يتجاوز منطق القوة الذي طالما احتكرته السلفية الجهادية. هذه المفارقة أدت إلى صدمة فكرية عميقة داخل التيار، حيث وجدت نفسها أمام واقع لا يتوافق مع قوالبها التقليدية، مما أثار تساؤلات جوهرية حول صلاحية منهجها وفعاليته في تحقيق أهدافها .
فقدان احتكار خطاب التغيير الجذري
قبل الربيع العربي، كانت الجماعات الجهادية تقدم نفسها على أنها القوة الوحيدة القادرة على كسر الاستبداد، وتنتقد بشدة الحركات الإصلاحية والسلمية وتصفها بالعجز. لكن نجاح الحركات الشعبية في تحقيق تغييرات ملموسة دون الحاجة إلى
)الجهاد القتالي(، أضعف بشكل كبير هذه الدعوى. لقد تراجعت الشرعية الرمزية للخطاب الجهادي، وبدا واضحا أن الجماهير استطاعت فرض معادلات جديدة دون الحاجة إلى العنف المسلح. هذا التطور سحب من السلفية الجهادية احتكارها لخطاب التغيير الجذري، ووضعها في موقف دفاعي بدلا من الهجومي الذي اعتادته .
الفجوة بين السلفية الجهادية والمجتمع
كشفت الثورات الشعبية عن فجوة عميقة بين السلفية الجهادية والمجتمع، حيث عبر الحراك الشعبي عن مطالب اجتماعية وسياسية ملموسة تتمثل في الكرامة، العدالة، الحرية، ومحاربة الفساد هذه المطالب، التي تعكس تطلعات الشعوب، لم تكن السلفية الجهادية قد طورت بشأنها تصورا عمليا واضحا. فتركيزها الطويل على ثنائيات الحاكمية والكفر والولاء والبراء جعل خطابها يبدو منفصلا عن المزاج العام، بل ومتعاليا عليه. وعندما تحرك الشارع، لم تكن هذه الجماعات في موقع القيادة، بل وجدت نفسها على الهامش، تراقب حدثا تاريخيا لم تسهم في صناعته ولم تتحكم في مساراته .هذا الانفصال عن الواقع الاجتماعي والسياسي للمجتمعات أثر سلبا على قدرتها على كسب التأييد الشعبي والتأثير في مسار الأحداث .
معضلة التعددية الفكرية والسياسية
ساهمت الطبيعة التعددية للثورات في تعميق أزمة السلفية الجهادية. فالربيع العربي لم يكن حراكا إسلاميا خالصا، بل شاركت فيه قوى ليبرالية ويسارية وقومية، إضافة إلى إسلاميين من اتجاهات مختلفة .هذا التعايش الميداني بين أطياف فكرية متباينة، تحت سقف مطالب مشتركة، وضع السلفية الجهادية أمام معضلة فكرية حادة. فنظرتها الريبية، بل العدائية، لهذه التيارات، واعتبار كثير منها جزءا من )المنظومة الجاهلية( جعلها في مأزق. فالقبول بهذه التعددية كان يعني مراجعة جذرية لمفاهيم الإقصاء والتكفير، بينما رفضها بالكامل كان يعني العزلة والانفصال عن الواقع .هذا التحدي كشف عن جمود فكري في التعامل مع الاخر المختلف، وعجز عن التكيف مع المشهد السياسي الجديد الذي فرضته الثورات .
3 استجابات السلفية الجهادية وتكيفاتها ما بعد الربيع العربي
تنوعت استجابات السلفية الجهادية لأحداث الربيع العربي، وتراوحت بين التردد والتكيف البراغماتي، وصولا إلى محاولات استغلال فشل المسارات الانتقالية
تميزت الاستجابة الأولية للسلفية الجهادية للطابع السلمي للحراك بالتردد والتناقض. في البداية، ساد ارتباك واضح في الخطاب الجهادي؛ فبعض المنظرين حاولوا التقليل من شأن الثورات، واعتبارها مجرد )فتنة( أو )مؤامرة غربية( تهدف إلى إعادة إنتاج الأنظمة بوجوه جديدة .بينما رأى آخرون فيها فرصة تكتيكية، يمكن استثمارها لإضعاف الدولة وأجهزتها، تمهيدا للانتقال لاحقا إلى المواجهة المسلحة .هذا التباين عكس غياب رؤية موحدة، وأظهر أن التيار لم يكن مهيأً للتعامل مع سياق لا تنطبق عليه قوالبه التقليدية .
ومع تطور الأحداث، حاولت بعض الجماعات الجهادية التكيف مرحليا مع الواقع الجديد، فخففت من خطابها العدمي تجاه العمل الجماهيري، وأعادت تأويل بعض المفاهيم لتبرير المشاركة غير المباشرة أو الصمت الإيجابي .غير أن هذا التكيف ظل براغماتيا أكثر منه تحولا فكريا حقيقيا. فالإيمان العميق بأن التغيير السلمي غير مجد وأن الديمقراطية الية كفرية، بقي حاضرا في البنية العقدية للتنظيمات، ما جعل هذا الانخراط المؤقت هشا وسريع الانهيار .هذا التكيف لم يمثل مراجعة فكرية حقيقية، بل كان محاولة للتأقلم مع الظروف المتغيرة دون التخلي عن المبادئ الأساسية .
في حالات أخرى، وخاصة حين تعثرت المسارات الانتقالية أو عادت الأنظمة الأمنية بقوة، وجدت السلفية الجهادية في فشل التجربة السلمية فرصة لإعادة تفعيل سرديتها القديمة. فقدمت نفسها مجددا كبديل حاسم بعد ما وصفته بإخفاق الرهان على الشارع والسياسة، مستغلة الإحباط الشعبي والعنف المضاد الذي مارسته بعض الدول .غير أن هذه العودة لم تنه الأزمة، بل أكدت طابعها البنيوي، لأن القتال الجهادي لم يعد ينظر إليه، حتى داخل المجتمعات المتدينة، بوصفه أفقا واقعيا للتغيير، بل كعامل إضافي للفوضى والاستنزاف . هذا الاستغلال لم يحل الأزمة الفكرية، بل كشف عن عجز التيار عن تقديم حلول حقيقية تتجاوز منطق القتال .
4 تحليلات حديثة ومراجعات فكرية
لقد أثر الربيع العربي بشكل عميق على الفكر الجهادي، مما أدى إلى ظهور تحليلات ومراجعات فكرية متعددة:
تأثير الربيع العربي على الفكر الجهادي: أظهرت الأحداث أن الفكر الجهادي، الذي كان ينظر إليه على أنه جامد وغير قابل للتغيير، هو في الواقع أكثر مرونة وقابلية للتكيف مما كان يعتقد سابقا. فقد أظهرت الجماعات الجهادية قدرة على تغيير أولوياتها الاستراتيجية والتكتيكية، مثل تحول تركيز بعض الجهاديين من العدو البعيد إلى العدو القريب في سوريا .
دراسات حالة لجماعات جهادية محددة: بعد الربيع العربي، شهدنا صعود جماعات مثل جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، والتي أظهرت استجابات مختلفة للواقع الجديد. فبينما حاولت بعض الجماعات التكيف مع الظروف المحلية وتقديم الخدمات، ركزت أخرى على التوسع الإقليمي والعنف المفرط .
مراجعات فكرية داخلية وخارجية للسلفية الجهادية: أدت الأزمة إلى مراجعات داخلية وخارجية. فمن جهة، أدت الانقسامات داخل التيار الجهادي، خاصة بين القاعدة وداعش، إلى نقاشات حول المنهج والأولويات. ومن جهة أخرى، أدت التحولات في المنطقة إلى إعادة تقييم دور السلفية الجهادية من قبل الباحثين وصناع القرار .
تأثير صعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على السلفية الجهادية: أدى صعود داعش إلى تقسيم التيار الجهادي إلى معسكرين متنافسين، مما أثر على استراتيجيات وأولويات كل منهما. فقد استغلت القاعدة صعود داعش لتجديد نفسها والتركيز على مناطق أخرى، بينما ركز داعش على بناء دولة في المناطق التي كان يسيطر عليها.
.
في المحصلة، يمكن القول إن أزمة السلفية الجهادية في سياق الربيع العربي لم تكن أزمة ظرفية عابرة، بل نتيجة تصادم عميق بين تصور عقدي مغلق وواقع اجتماعي متحرك . الطبيعة السلمية والجماهيرية للثورات عرت محدودية الرؤية الجهادية، وأجبرتها على الاختيار بين مراجعات فكرية مؤلمة أو الانكفاء والعنف .وبين هذين الخيارين، ظل التيار يتأرجح، عاجزا عن تقديم إجابة مقنعة عن سؤال التغيير في عالم عربي لم يعد يشبه كثيرا الصورة التي رسمتها أدبياته الكلاسيكية .
لقد أظهرت هذه الأزمة أن السلفية الجهادية، على الرغم من صلابتها الظاهرية، تمتلك قدرا من المرونة البراغماتية في تكتيكاتها، وإن كانت تفتقر إلى المراجعة الفكرية الجذرية التي تتناسب مع التحولات العميقة في المنطقة. كما كشفت عن ضعف قدرتها على فهم واستيعاب تطلعات الشعوب ومطالبها المشروعة، مما أدى إلى تهميشها في الحراك الشعبي.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك