أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا
لم يكن تصريح رئيس الحكومة "عبدالعزيز
أخنوش" بعدم نيته الترشح لولاية جديدة مجرد خبر عابر في روزنامة السياسة
المغربية، بل كان لحظة كاشفة أعادت خلط كثير من الأوراق وفتحت باب التأويل على
مصراعيه، لأن الرجل الذي قاد الحكومة في واحدة من أكثر الفترات تعقيدا لم يكن
ليغادر المشهد بهذه السهولة لولا أن وراء القرار ما وراءه.
الضجة التي أحدثها التصريح لم تأت من
فراغ، فسنوات الولاية الحكومية كانت مثقلة بالأزمات، من تدهور القدرة الشرائية إلى
تصاعد الغضب الاجتماعي، ومن انسداد أفق الأمل لدى فئات واسعة إلى اتساع الهوة بين
الخطاب الرسمي والواقع المعيش، وهو ما جعل خروج أخنوش يبدو أقرب إلى انسحاب مدروس
منه إلى اختيار شخصي هادئ.
في الكواليس، راج حديث كثير عن
تعليمات فوقية ورغبة في تغيير الواجهة السياسية قبل أن تتحول صناديق الاقتراع إلى
محاكمة قاسية لمرحلة كاملة، لا لشخص واحد فقط، وكأن المطلوب اليوم هو إعادة ترتيب
المسرح مع الإبقاء على النص نفسه والممثلين أنفسهم في أماكن أخرى.
لقد عاش المغاربة خلال هذه الولاية
على وقع موجات غلاء غير مسبوقة، أرهقت الأسر البسيطة، وضربت الطبقة الوسطى في عمق
توازنها الهش، بينما ظل الإحساس العام سائدا بأن الحكومة إما عاجزة عن التدخل أو
غير راغبة فيه بالقدر الذي ينتظره المواطنون.
في المقابل، لم تفارق صورة تضارب
المصالح النقاش العمومي، حيث ظل اسم رئيس الحكومة مرتبطا بثروة ضخمة وبشركات
استفادت من صفقات ودعم عمومي، وهو ما عمق الشعور بأن السلطة والثروة حين تجتمعان
دون حواجز أخلاقية أو سياسية واضحة فإن النتيجة تكون دائما على حساب المجتمع.
ملف دعم المحروقات كان واحدا من أكثر
الملفات إثارة للجدل، لأنه جسد بوضوح كيف يمكن لسياسات عمومية أن تتحول إلى آلية
لإعادة توزيع المال العام في اتجاهات محددة، بينما يُطلب من المواطنين شد الأحزمة
والصبر على ما لا يطاق.
ولم يكن ذلك الملف معزولا، فحديث
الفراقشية وصفقات استيراد الماشية وغيرها من أشكال الريع المقنع زاد من ترسيخ
قناعة واسعة بأن اللعبة الاقتصادية والسياسية تُدار بمنطق الغنيمة لا بمنطق المصلحة
العامة.
غير أن اختزال كل هذه الكوارث في شخص
واحد يبدو اليوم أقرب إلى عملية تجميل سياسي منه إلى نقد حقيقي، لأن الحكومة لم
تكن فردا، ولأن من يدير المشهد من خلف الستار لا يمكنه التظاهر بالبراءة وهو يملك
مفاتيح القرار والتوجيه.
هنا تبرز فكرة إخراج أخنوش مبكرا من
السباق كنوع من إعادة توجيه الغضب الشعبي نحو عنوان محدد، مع الإبقاء على البنية
نفسها التي أنتجت الأزمات، وكأن المطلوب هو تغيير الواجهة لا تغيير الأساس.
في هذا السياق، تصبح الدعوة إلى
المشاركة الانتخابية محاولة لإعادة ضخ بعض الثقة في مسار فقد الكثير من بريقه،
خاصة بعد أن تحولت المقاطعة في وعي فئات واسعة إلى آخر أشكال الاحتجاج الصامت على
سياسة لا تسمع ولا ترى.
لكن الواقع يقول إن رئيس الحكومة لم
يكن وحده في هذه التجربة، فهناك حكومة ظل، وحكومة كواليس، وشبكات مصالح متداخلة،
كلها ساهمت بدرجات مختلفة في ما آل إليه الوضع الاجتماعي من تدهور وفي ما أصاب
المدرسة والمستشفى العموميين من إنهاك لصالح منطق الخوصصة والربح.
إن ما جرى للأسرة المغربية من ضغط
اقتصادي ونفسي، وما رافقه من ارتفاع في منسوب القلق والتفكك، ليس حادثا عرضيا، بل
هو نتيجة طبيعية لمسار طويل من الاختيارات التي وضعت الإنسان في آخر سلم الأولويات.
اليوم، يبدو المشهد السياسي مختزلا في
حكومة في العلن ومتحكمين من وراء الستار، وما لم يُفتح المجال أمام معارضة حقيقية
وقوى حية قادرة على التعبير بحرية عن هموم الناس، ستظل السياسة رهينة التعليمات،
وسيظل المواطن مجرد متفرج على مسرح تتغير فيه الوجوه وتبقى فيه الحكاية نفسها.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك