أنتلجنسيا:أبو آلاء
في لحظة صمت ثقيل داخل أروقة التنظيم الذاتي للصحافة، تحركت السلطة التنفيذية لتفادي انفجار وشيك. معطيات مؤكدة تفيد بأن رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، دخل على خط أزمة الأجور داخل المجلس الوطني للصحافة، بعدما وصلت وضعية المستخدمين إلى حافة الاختناق المالي، واضعاً الخزينة العامة أمام مسؤولية التدخل لتأمين صرف الرواتب وإنهاء حالة الانتظار التي خيمت على العاملين خلال الأسابيع الماضية.
التحرك لم يكن تفصيلاً إدارياً عابراً، بل خطوة كشفت هشاشة البنية المالية والمؤسساتية لهيئة يُفترض أنها عماد التنظيم الذاتي للمهنة. صرف الأجور جاء كحل إسعافي لتفادي مزيد من التوتر، لكنه في العمق يعكس مأزقاً أوسع: مؤسسة تعيش فراغاً تنظيمياً، وقطاعاً يتحرك في منطقة رمادية بين الاستقلالية المعلنة والتدخل العمومي الفعلي.
في السياق نفسه، يرتقب صدور قرار إداري يقضي بتمديد صلاحية بطائق الصحافة المهنية لسنة 2025، إلى حين استكمال إعادة هيكلة المجلس وحسم مساره التنظيمي. التمديد هنا ليس مجرد إجراء تقني، بل عنوان لمرحلة انتقالية مفتوحة زمنياً، تُدار بمنطق “ربح الوقت” لتفادي فراغ قانوني قد يربك أوضاع الصحافيين والمؤسسات الإعلامية.
المعطيات المتداولة تشير إلى أن هذا الخيار يهدف إلى ضمان استمرارية العمل المهني ومنع أي ارتباك قانوني، غير أن الواقع يكشف مفارقة واضحة: قطاع يفترض أن يقوم على قواعد تنظيم ذاتي مستقلة يجد نفسه معلقاً بقرارات إدارية مؤقتة، فيما تتراكم الأسئلة حول مستقبل الإطار المؤسساتي المنظم له.
أما في ما يتعلق بضبط أخلاقيات المهنة خلال هذه المرحلة، فالمعادلة تبدو أكثر تعقيداً. في غياب مجلس يمارس صلاحياته التأديبية كاملة، يُحال المتضررون من أي تجاوزات مهنية إلى القضاء باعتباره الملاذ المتاح حالياً. هذا التحول يكرس انتقالاً عملياً من منطق التأديب المهني الداخلي إلى مسار قضائي قد يكون أطول وأكثر كلفة، في انتظار استعادة المجلس لاختصاصاته.
الصورة العامة تكشف قطاعاً يعيش على الحلول المؤقتة: أجور تُؤمَّن بتدخل حكومي مباشر، بطائق مهنية تُمدد بقرار إداري، وتأديب يُرحَّل إلى المحاكم. وبين هذه التدابير المرحلية، يظل السؤال الجوهري معلقاً: هل نحن أمام إعادة ترتيب مؤسساتي حقيقي يعيد للمجلس الوطني للصحافة استقلاليته وفعاليته، أم أمام إدارة أزمة تُرحَّل من محطة إلى أخرى بقرارات فوقية؟
ما حدث ليس مجرد تسوية رواتب، بل مؤشر على اختبار حقيقي لقدرة الدولة والفاعلين المهنيين على إعادة بناء ثقة مفقودة داخل حقل يفترض أن يكون في صلب الديمقراطية والشفافية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك