أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي
تكشف تصريحات رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الجمعية الوطنية الفرنسية، برونو فوكس، حول الوضع في مالي، عن تحول عميق في الخطاب السياسي الفرنسي تجاه منطقة الساحل، ليس فقط من حيث اللغة المباشرة وغير الدبلوماسية التي استعملت، بل أيضا من حيث ما تحمله من تناقضات بنيوية بين ادعاء القطيعة مع الإرث الاستعماري الفرنسي وبين استمرار الذهنية الوصائية ذاتها، ولكن بصيغ جديدة وأكثر براغماتية.
فالرجل، الذي يعد من الدائرة السياسية المرافقة للرئيس إيمانويل ماكرون، لم يتحدث كمتابع للأزمة المالية، بل كمن يقدم تصورا فرنسيا لمستقبل السلطة في باماكو، بل وحتى لمستقبل البنية السياسية للدولة المالية نفسها. وهذا بحد ذاته يكشف أن فرنسا، رغم انسحابها العسكري من مالي، لم تنسحب ذهنيا ولا استراتيجيا من تصورها التقليدي لدورها في غرب إفريقيا باعتبارها فاعلا يملك حق التقييم والتوجيه وإعادة هندسة المجال السياسي في مستعمراته السابقة.
اللافت في حديث فوكس أنه لم يخف الرهان الفرنسي على فشل التجربة الروسية في مالي، بل إن كلامه يوحي بأن باريس تتابع باهتمام وربما بارتياح التدهور الأمني والعسكري الذي تعيشه السلطة الانتقالية في باماكو. فحين يقول إن )إخراج الشريك الفرنسي كان قرارا ضد مصلحة مالي(، فإنه لا يتحدث فقط عن خسارة نفوذ، بل يعبر عن قناعة فرنسية قديمة مفادها أن الاستقرار في الساحل لا يمكن أن يتحقق خارج المظلة الفرنسية.
لكن الأخطر من ذلك هو الطريقة التي تحدث بها عن مستقبل النظام المالي، وكأن سقوط السلطة الحالية مسألة وقت لا أكثر. فالرجل يتنبأ بانهيار المجلس العسكري خلال أسابيع أو أشهر، ويتحدث عن انتقال سياسي محتمل وعن شخصية عسكرية بديلة، بل ويذهب أبعد حين يطرح سيناريوهات لإدماج جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة داخل الحياة السياسية. وهنا تظهر المفارقة الكبرى: فرنسا التي خاضت حربا طويلة في الساحل تحت عنوان مكافحة الإرهاب، ودفعت عشرات الجنود ثمنا لذلك، تبدو اليوم مستعدة نظريا لمناقشة إدماج التنظيم الأقرب إلى القاعدة في العملية السياسية إذا كان ذلك يسمح بإعادة تشكيل التوازنات وإخراج روسيا من المشهد.
هذه النقطة بالذات تعكس تحولا خطيرا في العقل الاستراتيجي الفرنسي. فالمعيار لم يعد هو محاربة الإرهاب بقدر ما أصبح إدارة النفوذ. لذلك لم يعد السؤال المركزي بالنسبة لباريس: هل يمثل JNIM خطرا عقائديا وأمنيا؟ بل: هل يمكن احتواؤه ضمن معادلة سياسية تضمن عدم سقوط مالي بالكامل خارج المدار الفرنسي والغربي؟
إن حديث فوكس عن إمكانية ظهور نموذج موريتاني أو نموذج نيجيري في مالي يكشف أيضا عن استعداد بعض النخب الفرنسية لتقبل أشكال من الإسلام السياسي المحافظ أو حتى الديني المسلح إذا كان ذلك يمنع تكرار النموذج الأفغاني الكامل. وهذا التفكير البراغماتي يعكس إدراكا متأخرا بأن الحسم العسكري في الساحل فشل، وأن القوى الجهادية أصبحت جزءا من التوازن الاجتماعي والسياسي في بعض المناطق، وليس مجرد مجموعات معزولة يمكن القضاء عليها بالقوة.
غير أن الطرح الفرنسي يصطدم بإشكاليات عميقة. فمالي ليست دولة ذات انقسامات جغرافية واضحة تسمح بسهولة بتطبيق نموذج فدرالي أو تقسيم سياسي-ديني على الطريقة النيجيرية. كما أن الجماعات المسلحة نفسها ليست كتلة واحدة متجانسة، بل تتداخل فيها الأبعاد القبلية والعرقية والعقائدية والاقتصادية. لذلك يبدو جزء من التصور الفرنسي أقرب إلى محاولة لإعادة تدوير الفشل أكثر من كونه رؤية واقعية للحل.
ومن جهة أخرى، تكشف تصريحات فوكس أن فرنسا لا تزال تنظر إلى روسيا باعتبارها التهديد المركزي لمصالحها في إفريقيا، أكثر من نظرها إلى الجماعات المسلحة نفسها. فالقضية بالنسبة لباريس لم تعد فقط أمن الساحل، بل فقدان احتكارها التاريخي للنفوذ داخل الفضاء الفرنكفوني. ولهذا يبرز في كلامه حنين واضح إلى زمن الشرعية الفرنسية في إدارة أزمات المنطقة، حتى وهو ينتقد علنا ممارسات فرنسا الإفريقية القديمة.
المفارقة أن الخطاب الفرنسي الجديد يريد التخلص من صورة المستعمر القديم، لكنه يسقط في اللغة ذاتها التي كانت تؤسس للاستعمار: الحديث باسم الشعوب الإفريقية، التنبؤ بمصير الأنظمة، تحديد من هو الفاعل المقبول ومن هو الخطر، بل وحتى من يملك الشرعية لاستغلال ثروات مالي. لذلك فإن الأزمة الحقيقية في العلاقة بين فرنسا والساحل ليست فقط أزمة نفوذ أو منافسة مع روسيا، بل أزمة ثقة تاريخية مع شعوب لم تعد تقبل أن تدار مصائرها من الخارج، سواء باسم مكافحة الإرهاب أو حماية الديمقراطية أو مواجهة النفوذ الروسي.
وفي العمق، يبدو أن باريس تدرك اليوم أنها خسرت شيئا أكبر من القواعد العسكرية: لقد خسرت قدرتها على احتكار السردية السياسية داخل الساحل. فجيل جديد من الأنظمة العسكرية، ومن الفاعلين المحليين، ومن الرأي العام الإفريقي، بات يرى في فرنسا جزءا من المشكلة لا جزءا من الحل. ولهذا تبدو تصريحات فوكس، رغم ثقتها الظاهرة، أقرب إلى خطاب قوة قلقة أكثر منها قوة واثقة من عودتها.
إن ما يجري في مالي لم يعد مجرد أزمة محلية، بل تحول إلى مختبر لصراع دولي وإقليمي على مستقبل الساحل، حيث تتداخل الحرب على الإرهاب مع المنافسة الجيوسياسية، وتختلط فيه شعارات السيادة الوطنية بحسابات النفوذ الدولي. وفي هذا المشهد المضطرب، تبدو فرنسا وكأنها تحاول التكيف مع واقع جديد لم تعد فيه اللاعب الوحيد، لكنها لم تتعلم بعد كيف تتعامل مع إفريقيا كشريك كامل السيادة، لا كساحة نفوذ تاريخية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك