أنتلجنسيا:ياسر اروين
نجحت الحكومة، خلال ما تبقى من عمر الولاية التشريعية والدورة الخريفية الجارية، في تمرير حزمة ثقيلة من مشاريع القوانين العادية والتنظيمية بسرعة لافتة، في مشهد يعكس سيطرة شبه مطلقة على المسار التشريعي، ويطرح في المقابل أسئلة محرجة حول دور البرلمان، وحدود النقاش العمومي، ومعنى التشريع في ظل أغلبية عددية منضبطة.
قوانين كبرى تمرّ بلا مقاومة
قوانين الانتخابات، التعليم المدرسي والعالي، البحث العلمي، المسطرة المدنية والجنائية، إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة…كلها نصوص مفصلية عبرت قبة البرلمان بأقل قدر من التعديل، بعدما حافظت الحكومة على روحها الأصلية، واكتفت بقبول تغييرات شكلية في معظمها، صادرة أساسا عن فرق الأغلبية، مقابل إسقاط شبه كلي لمقترحات المعارضة.
المعارضة خارج اللعبة
ما جرى لم يكن استثناءً، بل تكريسا لمنطق تشريعي يقوم على الإقصاء الناعم للمعارضة، حيث رُفضت أغلب تعديلات فرقها بدعوى تعارضها مع توجهات السلطة التنفيذية، في وقت بدا فيه البرلمان أقرب إلى فضاء للمصادقة السريعة منه إلى ساحة نقاش وتجويد تشريعي.
ديكتاتورية الأغلبية تلوح في الأفق
عبد الرحيم العلام، أستاذ القانون الدستوري، وفي خرجته بإحدى الجرائد المغربية، حذر من هذا المنحى، معتبرا أن الفكر السياسي طالما نبه إلى مخاطر ما يسمى بـ“ديكتاتورية الأغلبية”، حين تتحول القوة العددية إلى الفيصل الوحيد في التشريع، ويتم إفراغ التعددية من مضمونها العملي.
تشريع بلا شراكة ونصوص أمام المحكمة الدستورية
يرى العلام أن إصرار الحكومة على فرض فلسفتها الأحادية في بعض القوانين هو ما جعل عددا منها يصطدم بملاحظات القضاء الدستوري، كما وقع في مشاريع كبرى، مؤكدا أن التفاعل مع تعديلات المعارضة لا يعني تفصيل القوانين على مقاسها، بل إشراكها في تحسين الجودة التشريعية.
البرلمان من سلطة تعديلية إلى جهاز تصويت
من جهته، يعتبر رشيد لزرق، أستاذ العلوم السياسية، أن الحكومة حولت أغلبيتها المريحة إلى أداة تنفيذ تشريعي مباشر، مكّنتها من التحكم في أجندة القوانين، وضبط إيقاع النقاش، وتمرير النصوص دون تقديم تنازلات حقيقية، ما جعل البرلمان ينتقل عمليا من فضاء للتفاوض إلى غرفة تسجيل.
الانضباط الحزبي والخوف من الإرباك
ويُرجع لزرق هذا الوضع إلى عوامل أعمق من مجرد التفوق العددي، من بينها ضعف المبادرة التشريعية للنواب، وتراجع الفعل التعديلي، والانضباط الحزبي الصارم، إلى جانب هاجس الحفاظ على تماسك الائتلاف الحكومي، حتى ولو كان الثمن إفراغ النقاش البرلماني من جوهره.
تشريع على عجل باسم الأولويات
وفي سياق ضاغط اقتصاديا واجتماعيا، يتم تسويق منطق السرعة والاستعجال لتبرير تمرير القوانين كما وردت من الحكومة، في حين أن الفارق الحقيقي مع الحكومات السابقة لا يكمن في النص الدستوري، بل في كيفية توظيفه سياسيا لتحويل الأغلبية إلى ذراع تشريعية خالصة للسلطة التنفيذية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك