أنتلجنسيا:أبو جاسر
لم تمض سوى أيام على فوز مجموعة يملكها رئيس الحكومة عزيز أخنوش بصفقة تزويد المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب بالفيول بقيمة تقارب 5.2 مليارات درهم، حتى برز معطى جديد يؤشر على تسارع وتيرة التوسع داخل سوق الطاقة.
المعطيات المتوفرة تفيد بأن شركة Afriquia SMDC شرعت فعلياً في الإجراءات الإدارية لإقامة مستودع جهوي لتخزين وتوزيع المحروقات بحي بنسودة، التابع لمقاطعة زواغة بمدينة فاس، فوق وعاء عقاري يمتد على عدة هكتارات.
فالمشروع المرتقب لا يصنف كمجرد استثمار عادي، بل يندرج ضمن المنشآت الخطرة من الدرجة الأولى، ما يفرض مسطرة ترخيص مسبق من السلطات المختصة، وإنجاز دراسة دقيقة للتأثير على البيئة، إلى جانب فتح بحث عمومي لمدة شهر كامل لتمكين الساكنة والفاعلين المحليين من إبداء ملاحظاتهم.
هذا المسار القانوني يعكس حساسية المشروع من الناحية التقنية والبيئية، لكنه يسلط الضوء أيضاً على رمزيته السياسية في سياق خاص.
ويأتي التحرك الجديد ضمن مسار توسع متدرج للبنيات اللوجستية التابعة للمجموعة في سوق المحروقات، وهو القطاع الذي ظل منذ تحرير الأسعار سنة 2015 محور جدل سياسي واقتصادي واسع بشأن هوامش الربح وتركيز السوق في يد عدد محدود من الفاعلين.
والمستودع المزمع إنشاؤه يرتقب أن يوجَّه لتغطية حاجيات جهة فاس-مكناس والمناطق المجاورة، بما يخفف الضغط عن مراكز التخزين الساحلية الكبرى، خصوصاً بمدينة المحمدية ومنصة الجرف الأصفر حيث تتركز البنية التحتية الرئيسية لاستقبال الواردات البترولية.
مصادر مهنية تعتبر أن تعزيز قدرات التخزين داخل الجهات لم يعد خياراً ترفياً، بل ضرورة تفرضها اعتبارات لوجستية وأمنية، خاصة في ظل اضطرابات مناخية وتقلبات دولية أثرت في سلاسل الإمداد وأعادت النقاش حول مخزون الأمان الوطني إلى الواجهة.
فكلما توزعت مراكز التخزين جغرافياً، تقلصت المخاطر المرتبطة بالاعتماد على نقط ساحلية محدودة.
غير أن القراءة التحليلية للمشهد لا تنفصل عن سياقه السياسي، حيث تزامن توسع المجموعة في البنيات التحتية للمحروقات مع حصولها على صفقات عمومية في مجال الطاقة، واستعدادها لدخول مشاريع استراتيجية أخرى، يعيد طرح سؤال التداخل بين تدبير الشأن العام والنشاط الاقتصادي في قطاعات حيوية.
فالقانون لا يمنع الاستثمار، لكن النقاش العمومي يتجاوز المشروعية القانونية إلى منسوب الثقة والشفافية وتكافؤ الفرص داخل سوق محرر نظرياً.
هكذا، ومرة أخرى يتقاطع الاقتصادي بالسياسي في ملف حساس يمس الأمن الطاقي والمال العام في آن واحد.
وبين من يرى في المشروع دعامة لتعزيز السيادة اللوجستية وتقوية العرض الجهوي، ومن يعتبره مؤشراً على تعمق تركّز النفوذ داخل سوق استراتيجي، يبقى السؤال المركزي معلقاً، كيف يمكن تحقيق توازن واضح بين تشجيع الاستثمار وضمان فصلٍ صارم بين السلطة الاقتصادية والسلطة التنفيذية في قطاعات تمس الحياة اليومية للمواطنين؟
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك