أنتلجنسيا:أبو آلاء
أقرّ المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في دراسة حديثة بأن الضربات المتتالية التي هزّت المغرب خلال السنوات الأخيرة لم تصنع هشاشة المدرسة العمومية، بل عرّت جذورها البنيوية وكشفت تراكم اختلالاتها. جائحة كوفيد-19، وزلزال الحوز، والتوترات الاجتماعية، وأخيراً الفيضانات التي شرّدت آلاف التلاميذ، لم تكن سوى اختبارات قاسية أظهرت أن منظومة التعليم تتفاعل مع الأزمات لكنها لا تستبقها، وتدبّر الطوارئ بمنطق رد الفعل لا بمنطق الجاهزية المؤسسية.
خلاصات الدراسة، التي قُدمت في لقاء تواصلي بالرباط من طرف أمينة لمريني الوهابي، رئيسة اللجنة الدائمة للمناهج والبرامج والتكوينات والوسائط التعليمية، تؤكد أن مسار بناء “الصمود” انطلق فعلاً، لكنه ظل مجزأً وموسمياً ومتفاوتاً بين الجهات، ولم يرتق بعد إلى مستوى المأسسة الكفيلة بتحويله إلى سياسة عمومية مستقرة. فالتراكم الكمي للأزمات أنتج آثاراً نسقية تمس جوهر الحق في تعليم منصف وذي جودة، ما يجعل تشخيص الهشاشات شرطاً أولياً لأي إصلاح مستدام.
الدراسة ترصد اختلالات مؤسساتية واضحة، من بينها مركزية القرار التي تعرقل أحياناً سرعة التدخل الميداني، وضعف التخطيط الترابي الدقيق، وغياب آليات جاهزة لضمان الاستمرارية البيداغوجية في حالات الطوارئ. كما تشير إلى محدودية توثيق التجارب وتحويلها إلى ذاكرة مؤسساتية قادرة على التعلم من الأزمات السابقة. وفي لحظات الشدة، كثيراً ما يعوّض الارتجال وروح المبادرة الفردية غياب أنظمة مؤطرة، في مشهد يعكس هشاشة البنية أكثر مما يعكس قوة الصمود.
على مستوى المناهج، كشفت الانقطاعات الطويلة عن عجز في تكييف المحتويات بسرعة، وغياب إطار وطني واضح لترتيب أولويات التعلمات الأساسية. الدعم المدرسي ظهر محدود النجاعة، وأدوات التقويم لم تواكب التفاوتات المتزايدة ولا أنماط التعليم الجديدة، فيما ظل التعليم الهجين خياراً غير مكتمل التأطير. النتيجة كانت خسائر تعليمية غير متكافئة، ضربت بقوة التلاميذ المنحدرين من أوساط هشة، مع تأخر متراكم في القراءة والرياضيات والمهارات الأساسية، خاصة في الابتدائي والإعدادي، بما يهدد المسارات الدراسية على المدى البعيد.
المعطى المجالي يضيف بعداً أكثر حدة. فالأزمات لا تتوزع بالتساوي، بل تضرب بقوة المناطق الريفية والمعزولة أو المعرضة للكوارث. التفاوت في الولوج إلى الوسائل الرقمية صارخ، والقدرة المحلية على التدخل متفاوتة، فيما يعاني التنسيق بين المدارس والجماعات الترابية والفاعلين المحليين من ارتباك واضح. المساواة المعلنة في السياسات الوطنية لا تترجم تلقائياً إلى مساواة فعلية في شروط التعلم، ما يجعل تعزيز الصمود الترابي مدخلاً ضرورياً لتحقيق الإنصاف.
أما البعد النفسي والاجتماعي، فكان الأكثر عمقاً وأقل تنظيماً. الأزمات تركت بصمتها على الصحة النفسية للتلاميذ، وعلى المناخ المدرسي، وعلى علاقة الأسرة بالمؤسسة التعليمية، كما أثقلت كاهل الأطر التربوية. أصوات المتعلمين، كما تنقلها الدراسة، تعكس حاجة ملحة إلى الاستقرار والدعم والإنصات، في وقت لا يمكن فيه بناء الصمود على التضحية الفردية وحدها، بل على آليات مؤسساتية منظمة للرعاية النفسية والاجتماعية.
في ما يتعلق بالبنيات التحتية، تؤكد الدراسة هشاشة عدد من المؤسسات من حيث البناء والتجهيز، إلى جانب ضعف البنية الرقمية وغياب تصور شامل يؤطر التعليم الهجين. الفجوة الرقمية لا تتعلق فقط بولوج الأجهزة أو الإنترنت، بل تمتد إلى الكفايات، والصيانة، والحكامة.
الخلاصة التي تخرج بها الدراسة صريحة: المدرسة المغربية قادرة على امتصاص الصدمات، لكنها لم تبلغ بعد مستوى الوقاية الاستباقية. الرهان الحقيقي ليس فقط تجاوز الأزمة الحالية، بل منع تحول الأزمات المتكررة إلى خسائر تعليمية دائمة. فإذا لم يتحول الصمود من رد فعل ظرفي إلى سياسة ممنهجة، فإن كل أزمة جديدة ستعيد إنتاج الاختلال ذاته، وستضع حق التلميذ في تعليم مستقر وعادل أمام اختبار جديد.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك