أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
تحولت آفة الحيوانات الضالة، وعلى رأسها الكلاب المنتشرة في الأحياء والمدن والقرى المغربية، إلى واحدة من أكثر الملفات الاجتماعية والصحية والأمنية إحراجاً للدولة، وسط تصاعد شكاوى المواطنين من هجمات متكررة وحوادث مرعبة، مقابل عجز واضح عن بلورة حل جذري يوازن بين حماية السكان واحترام معايير الرفق بالحيوان، في وقت يقترب فيه المغرب من استحقاقات دولية ضخمة، أبرزها تنظيم كأس العالم 2030، بما يحمله ذلك من ضغط متزايد على صورة المملكة أمام العالم.
ففي عدد من المدن المغربية، لم تعد الكلاب الضالة مجرد مشهد اعتيادي في الشوارع والأزقة، بل أصبحت مصدر خوف يومي بالنسبة للأسر والأطفال والتلاميذ والعمال، خاصة خلال ساعات الليل والصباح الباكر، حيث تتحدث شكاوى متزايدة عن انتشار مجموعات من الكلاب في محيط المدارس والأسواق والأحياء السكنية وحتى قرب المستشفيات والمرافق العمومية، وسط تكرار حوادث المطاردة والعضّ التي تثير الذعر وتدفع السكان إلى المطالبة بتدخلات أكثر حزماً.
ورغم إطلاق برامج متفرقة لمحاصرة الظاهرة، فإن المقاربة الرسمية تبدو متعثرة بين مطرقة الأمن الصحي وسندان الضغوط الحقوقية. فالمغرب يجد نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: من جهة، هناك غضب شعبي متنامٍ يطالب بحماية المجال العام ووضع حد لما يعتبره “فوضى حيوانية” تهدد السلامة العامة، ومن جهة أخرى تواجه السلطات ضغطاً قوياً من جمعيات وطنية ودولية مدافعة عن حقوق الحيوان، ترفض أساليب القتل الجماعي أو التسميم أو الإبادة التقليدية، وتدعو إلى اعتماد حلول بديلة تقوم على التعقيم والتلقيح وإعادة الإدماج.
هذا الضغط الحقوقي لم يعد محلياً فقط، بل اكتسب بعداً دولياً مع تنامي مراقبة منظمات الرفق بالحيوان لطريقة تعامل الدول مع الحيوانات الضالة، خاصة تلك المستضيفة للأحداث الكبرى. وتخشى السلطات، بحسب مراقبين، من أن تتحول أي صور أو تقارير توثق ممارسات عنيفة ضد الكلاب إلى مادة إعلامية دولية تسيء لصورة المغرب في لحظة يسعى فيها إلى تقديم نفسه كبلد منظم وحديث وقادر على استضافة كبريات التظاهرات العالمية.
ومع اقتراب العد العكسي لتنظيم كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، يزداد الضغط على المملكة لتقديم فضاءات حضرية أكثر أماناً وتنظيماً ونظافة، خصوصاً في المدن المرشحة لاستقبال الجماهير والمنتخبات العالمية. فوجود أعداد كبيرة من الكلاب الضالة في الشوارع قد يتحول إلى نقطة سوداء في أعين الزوار ووسائل الإعلام الدولية، بل وقد يثير تساؤلات حول جاهزية البنية الحضرية والصحية والأمنية.
لكن في المقابل، يرى مدافعون عن حقوق الحيوان أن تحميل الكلاب وحدها مسؤولية الأزمة يخفي فشل السياسات العمومية في تدبير الملف منذ سنوات، مشيرين إلى أن الظاهرة مرتبطة أساساً بضعف برامج التعقيم، وغياب ملاجئ كافية، وتخلي بعض الأسر عن الحيوانات المنزلية، إضافة إلى غياب قاعدة بيانات دقيقة حول أعداد الحيوانات الضالة وانتشارها. ويؤكد هؤلاء أن الحل لا يمكن أن يكون أمنياً أو ظرفياً، بل يحتاج استراتيجية وطنية طويلة الأمد تقوم على التلقيح، والتعقيم، والتوعية، وإنشاء مراكز إيواء وفق معايير دولية.
غير أن كثيراً من المواطنين يعتبرون أن النقاش الحقوقي، رغم أهميته، لا يجب أن يتحول إلى مبرر لترك الشارع تحت رحمة الخوف، خاصة بعد تداول مقاطع وشهادات عن اعتداءات طالت أطفالاً ومسنين ومارة في عدة مدن، ما يجعل الدولة مطالبة ـ أكثر من أي وقت مضى ـ بإيجاد توازن صعب بين حماية الإنسان واحترام الحيوان.
ومع اقتراب مواعيد دولية كبرى، يبدو أن ملف الكلاب الضالة قد يتحول من مجرد أزمة محلية إلى اختبار حقيقي لقدرة المغرب على إدارة قضايا حساسة تحت أنظار العالم، في معركة معقدة تتقاطع فيها الصحة العامة، والأمن الحضري، وحقوق الحيوان، وصورة بلد يستعد لاستقبال واحدة من أكبر التظاهرات الرياضية على الكوكب.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك