دولة الملاعب وشعب يغرق..حين تُموَّل الواجهة وتُهمَّش الحياة

دولة الملاعب وشعب يغرق..حين تُموَّل الواجهة وتُهمَّش الحياة
ديكريبتاج / الإثنين 05 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:عبد الله البارودي

اعتبرت جمعية “أطاك المغرب” أن الدولة تُثبت مرة أخرى قدرتها التقنية والمالية على إنجاز بنى تحتية عالية الجودة عندما يتعلق الأمر بالملاعب والمنشآت المرتبطة بالصورة الدولية، بينما تتذرع بالعجز أو تتباطأ حين يكون المطلوب تعميم الحد الأدنى من المعايير نفسها على الأحياء التي تسكنها الفئات الفقيرة والمهمشة. بالنسبة للجمعية، الأمر لا يتعلق بتفوق هندسي للملعب بقدر ما هو نتاج اختيارات سياسية واجتماعية واضحة.

حيث توجد الكاميرات تُفتح الخزائن
وأوضحت “أطاك” أن المفارقة صارخة: في الفضاءات التي تحضر فيها عدسات الإعلام العالمي تُحترم دفاتر التحملات وتُضخ الأموال بسخاء، أما في المدن والأحياء البعيدة عن الأضواء، فتُنجز الأشغال بأقل كلفة، وتُهمَل الصيانة، وتُترك الشوارع لقوانين الارتجال. النتيجة، كما تصفها الجمعية، ملعب يمتص مياه الأمطار بكفاءة، مقابل مدينة تختنق بأول زخات مطر.

أمطار عادية تكشف هشاشة غير عادية
ومع كل موسم أمطار، يتكرر المشهد ذاته في مدن مغربية عدة: شوارع تتحول إلى برك، أحياء تُعزل عن محيطها، طرق رئيسية تُغلق، ومرافق عمومية تعجز عن أداء أبسط وظائفها. ما وقع في طنجة وبرشيد وآسفي وتطوان وجماعات محيطة بمراكش، لا يمكن اختزاله في “تقلبات مناخية استثنائية”، بل يعكس هشاشة بنيوية مزمنة في شبكات الصرف والطرق والتجهيزات الأساسية، تتجدد كل سنة دون حلول جذرية.

فشل التخطيط قبل فشل السماء
وأكدت الجمعية أن المشكلة لا ترتبط بحجم التساقطات، بل بعجز شبكات التطهير السائل عن استيعاب حتى كميات متواضعة من المياه، وهو ما يفضح اختلالاً هيكلياً في التخطيط الحضري وصيانة البنية التحتية. ففي برشيد، المدينة الرابطة بين الدار البيضاء والرباط، غرقت أحياء كاملة، وتوقفت الحركة التجارية، وتعطلت مصالح السكان، بسبب قنوات صرف غير مؤهلة وغياب تدخل فعال للمؤسسات المعنية.

آسفي… حين تتحول الأمطار إلى مأساة
وتوقفت “أطاك” عند فيضانات آسفي، معتبرة أن ما جرى لم يكن حادثاً طارئاً، بل مأساة إنسانية كان يمكن توقعها وتفاديها. فالبنية التحتية العاجزة لم توفر أي حماية حقيقية للسكان، ما جعل الأمطار العادية تتحول إلى كارثة اجتماعية.

أرقام تكشف الأولويات السياسية
وشددت الجمعية على أن هذه الوقائع تعكس تناقضاً حاداً في أولويات الإنفاق العمومي. ففي الوقت الذي تُرفض فيه مطالب توفير صرف صحي فعال وطرق صالحة في أحياء واسعة، لا تتردد الدولة في ضخ أموال ضخمة في مشاريع رمزية واستعراضية، وفي مقدمتها الملاعب والمنشآت المرتبطة بالتظاهرات الرياضية الدولية.

مليارات للملاعب… وفتات للضروريات
ووفق الأرقام، خُصص في ميزانية 2026 نحو 1.1 مليار درهم لتطوير المنشآت الرياضية وتأهيل الملاعب استعداداً لكأس العالم 2030، إضافة إلى 500 مليون درهم لملاعب القرب داخل المؤسسات التعليمية. وقبل ذلك، رُصدت في ميزانية 2024 حوالي 1.97 مليار درهم لبناء وتأهيل الملاعب الكبرى، مثل الملعب الكبير للدار البيضاء. هذه الأرقام، بحسب “أطاك”، تعكس بوضوح أولوية سياسية موجهة نحو الاستثمار في السمعة الدولية.

الصحة والتعليم تحت الضغط لا التخطيط
وفي المقابل، ورغم رفع ميزانيتي الصحة والتعليم في 2026 إلى حوالي 140 مليار درهم، ترى الجمعية أن هذا الارتفاع جاء نتيجة ضغط اجتماعي متواصل، ولا تزال انعكاساته محدودة على أرض الواقع. فالمستشفيات العمومية تعاني خصاصاً حاداً في الأطر والتجهيزات، خصوصاً في المناطق البعيدة، ما فجّر احتجاجات متكررة، بينما يبقى السؤال مطروحاً حول نجاعة التوزيع وحسن صرف هذه الاعتمادات.

زلزال يكشف ميزان القيم
وأبرزت الجمعية أن أكثر من 20 مليار درهم خُصصت لتجهيز الملاعب استعداداً للبطولات الدولية، في حين لم تتجاوز المساعدات الرسمية لإعادة بناء منازل متضررة من زلزال مدمر 4.6 مليار درهم. بالنسبة لـ“أطاك”، هذا الفرق لا يعكس خللاً مالياً فحسب، بل يكشف تصوراً سياسياً لما يُعد أولوية استثمارية في البلاد.

نموذج استثماري بلا عائد اجتماعي
وختمت الجمعية بالإشارة إلى أن المغرب خصص حوالي 52.5 في المائة من ميزانيته العامة سنة 2024 لمشاريع البنية التحتية الكبرى، من نقل وموانئ وملاعب وتجهيزات مرتبطة بالفعاليات الدولية، ما جعله في صدارة الدول العربية في هذا المجال. غير أن هذا الإنفاق الضخم، تضيف “أطاك”، لا ينعكس على جودة الطرق المحلية، ولا على شبكات الصرف الصحي، ولا على الخدمات الصحية والتعليمية اليومية، وهو ما يطرح بقوة سؤال الجدوى الاجتماعية والسياسية لهذا “النموذج التنموي” الذي يلمع في الواجهة ويترك العمق يغرق.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك