حرب الكيماوي بمنطقة الريف بالمغرب بأقلام الكتاب والمؤرخين الإسبان (2): بين وثائق الأرشيف وخبرة الميدان عند العقيد المؤرخ جيسوس ألبرت سالوينا

حرب الكيماوي بمنطقة الريف بالمغرب بأقلام الكتاب والمؤرخين الإسبان (2): بين وثائق الأرشيف وخبرة الميدان عند العقيد المؤرخ جيسوس ألبرت سالوينا
ثقافة وفنون / الإثنين 14 شتنبر 2026 / لا توجد تعليقات:

​بقلم : د . محمد أحدو

​من النادر أن يلتفت العسكريون المتقاعدون، بخلفياتهم الصارمة داخل المؤسسة العسكرية، لنبش "الخطايا الكبرى" لجيوشهم وتعريتها أمام الرأي العام. لكن العقيد المتقاعد في سلاح المدفعية الإسباني ودبلوم أركان حرب، الباحث جيسوس ألبرت سالوينا (Jesús Albert Salueña)، شكّل استثناءً بارزاً. فهو لم يكتفِ بدراسة تاريخ العالم العربي الإسلامي وفترة الحماية، بل اقتحم بجرأة نادرة أحد أكثر الملفات حساسية وتعتیماً في الذاكرة العسكرية الإسبانية: ملف استخدام السلاح الكيميائي في حرب الريف. وبحكم تكوينه العسكري التخصصي، استطاع سالوينا مقاربة الأحداث بعين المحلل الاستراتيجي الذي يفهم لغة الميدان وتقديرات المواقف، مما أعطى لشهاداته وثقله الأكاديمي مصداقية مضاعفة تفكك سرديات التبرير الرسمي.


​تتبدى هذه المقاربة التحليلية بوضوح في دراسته المحكمة المعنونة بـ "الأسلحة الكيميائية في الريف: بعد أنوال، إسبانيا قررت استخدام الغازات السامة في حرب المغرب"، المنشورة في الدورية التاريخية البارزة "لا أفينتورا دي لا إستوريا" (La Aventura de la Historia) (عدد 54، ص. 34-41). فعبر التتبع الدقيق للتقارير والبرقيات الرسمية، يحدد سالوينا اللحظة المفصلية التي تلت هزيمة معركة أنوال سنة 1921؛ إذ وجد الجيش الإسباني نفسه عاجزاً عن كسر شوكة المقاومة الريفية الباسلة بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي عبر الوسائل التقليدية. وهنا تحولت المؤسسة العسكرية إلى خيار الإبادة الشاملة عبر سلاح الجو، ملقية بغازات الخردل والفوسجين السامة فوق التجمعات السكانية والأسواق والقبائل العزلاء في مختلف حواضر وقرى الريف وأطراف مليلية، في محاولة يائسة لتعويض الإخفاقات الميدانية والتنكيل بالبيئة والبشر.


​ولإماطة اللثام عن هذا التحول الاستراتيجي، أورد الباحث في مرجعه المذكور (ص. 38) نصاً تحليلياً باللغة الإسبانية يكشف خلفيات القرار:

​"La derrota de Annual supuso un punto de inflexión radical en la estrategia militar de España en el Rif. Ante la incapacidad de doblegar la resistencia sobre el terreno, el mando militar optó de manera deliberada por la vía más destructiva, introduciendo masivamente el uso de gases tóxicos desde el aire como una solución expeditiva para doblegar a la población civil y aniquilar cualquier foco de resistencia, dejando un rastro imborrable de destrucción."

​"شكلت هزيمة أنوال نقطة تحول جذرية في الاستراتيجية العسكرية لإسبانيا في الريف. وأمام عجزها عن كسر المقاومة على الأرض، اختارت القيادة العسكرية عمداً النهج الأكثر تدميراً، عبر الإدخال المكثف لاستخدام الغازات السامة جواً كحل حاسم لإخضاع السكان المدنيين والقضاء على أي بؤرة مقاومة، تاركة أثراً مدمراً لا يمحى."

(المصدر نفسه، ص. 38).

​لا تقتصر قيمة إسهامات سالوينا على حدود التوثيق الأكاديمي البحت، بل تتعداها إلى إسقاط مبررات "الضرورة العسكرية" التي طالما لجأت إليها المؤسسة العسكرية لتبييض سجلها. فمن خلال مقالاته المتعددة في منابر إسبانية ودولية، يربط الباحث بين ماضي تلك الأسلحة المحرمة دولياً وتداعياتها الصحية والبيئية المستمرة على إنسان الريف، معتبراً أن استمرار الصمت المؤسساتي في مدريد يعيق أي تصالح حقيقي مع الذاكرة التاريخية.

​إن مقاربة سالوينا تمنحنا زاوية نظر فريدة؛ فهي تصدر من داخل المؤسسة العسكرية لتشهد بأن الجرائم المرتكبة لم تكن تفصيلات عابرة، بل سياسة ممنهجة لا تسقط بالتقادم، مما يضع النخب الإسبانية اليوم أمام حتمية الاعتراف وجبر الضرر.

​إضاءة موالية:

نواصل هذا المسار الاستقصائي عبر محطة ثالثة تغوص في شهادات وأبحاث أستاذ التاريخ الإسباني المعاصر في جامعة لندن (LSE) سيباستيان بالفور (Sebastian Balfour)، صاحب الكتاب المفصلي "التاريخ السري للحرب الكيماوية ضد منطقة الريف وجبالة (1921-1927)".

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك