بقلم : د .محمد أحدو
تتصاعد
التوترات والتحرشات الدبلوماسية والسياسية الإسبانية بين حين وآخر ضد المغرب وحقوقه التاريخية والجغرافية ،
وكأن مدريد تتهرب دائماً من مواجهة مرآة تاريخها الأسود وجرائمها المتمثلة في
سياسات الأرض المحروقة التي مارستها شمال المغرب بمنطقة الريف تحديدا .
إن أي استحضار للذاكرة الاستعمارية الإسبانية
يكشف بالمستندات والوثائق تورط المؤسسة العسكرية الإسبانية الاستعمارية في حرب إبادة للمغاربة بكل ما تحمل الكلمة من معاني، استهدفت
البشر والشجر والحجر.
وهذا
ما كنت قد وقفت عنده في مؤلفي السابق "الريف الشرقي بالمغرب: حكاية تاريخ
وثقافة" (الصادر ضمن منشورات الزمن في غشت 2017، سلسلة شرفات، العدد 89)، حيث
صادفت خلال مسار البحث في الموضوع كتابات
جريئة لبعض المؤرخين الإسبان الذين اعترفوا بفظاعة جريمة إبادة المقاومة المغربية
بمنطقة الريف باستخدام الغازات السامة للقضاء عليها، لا سيما في ظل طموحها المشروع
لتحرير مدينة مليلية الثغر المحتل.
واليوم، مع
تصاعد موجات العداء ضد المغرب، حيث يبدو هناك شبه إجماع للرأي العام الإسباني في
معاداته للمغرب جراء أحداث النزوح نحو مدينة سبتة، - بعيدا عن الحديث عن المسؤوليات والاسباب- ، تُذكّرنا
هذه الظروف بالشهادات الدموية التاريخية لمفكرين إسبان شهدوا -وإن كان ذلك
باستحياء- على ما فعلته إدارتهم الاستعمارية من محاولة إبادة جماعية لساكنة عزل لم
تكن تطلب شيئاً سوى تحرير أراضيها والحفاظ
على هويتها.
وهي امتداد
لتاريخ طويل من المقاومة الباسلة التي جسدتها معركة سيدي ورياش الخالدة على حدود
مليلية المحتلة بمنطقة فرخانة ومقتل الجنرال الإسباني مارغايو (Margallo)
سنة 1893 ببنادق الثوار حينها ، حيث تصدت قبائل قلعية الريفية المتاخمة
للحدود، بما توفر لديها من بنادق وأسلحة بسيطة، لأحد أعتى الجيوش الاستعمارية في
تلك المرحلة، وذلك قبل ثورة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي بسنوات .
ولا
يمكن قراءة هذه الخلفيات العدائية بمعزل عن الإرث الاستعماري الذي حاول التاريخ
الرسمي في إسبانيا طمسه عقوداً طويلة أمام الاجيال الحالية من المواطنين الاسبان
بترسيخ فكرة اسبانية المدينتين المحتلتين بالمغرب والجزر المحتلة .
وحول هذا
السكوت الممنهج والتستر على جرائم حرب الريف (1921-1927)، تؤكد المؤرخة ماريا روزا
دي مادارياغا (María Rosa de Madariaga) في كتابها
إسبانيا والريف: وقائع تاريخية شبه منسية (España y el Rif. Crónica de una
historia casi olvidada، الصادر عام 1999، ص. 210-245) قائلة:
"El uso de
armas químicas en el Rif constituyó un capítulo oscuro que la historiografía
oficial intentó ocultar durante el régimen franquista y gran parte de la
democracia."
(شكل
استخدام الأسلحة الكيميائية في الريف فصلاً مظلماً حاول التاريخ الرسمي إخفاءه
خلال فترة النظام الفرانكوي ومعظم مرحلة الديمقراطية.)
ولم
تكن تلك الحملات مجرد مواجهات عسكرية تقليدية ضد مقاومة محمد بن عبد الكريم
الخطابي، بل تحولت إلى حرب إبادة بيئية واجتماعية ممنهجة، استخدم فيها الجيش
الإسباني ترسانة من الغازات السامة (مثل غاز الخردل والفوسجين). وقد وثق الباحثان
رودي بيرت كونتز ورولف ديتر مولر (Rudibert Kunz y Rolf-Dieter Müller)
في دراستهما البارزة استعمال هاته المواد الكيماوية ضد عبد الكريم:" ألمانيا، إسبانيا وحرب الغاز في المغرب
الإسباني" (Giftgas
gegen Abd el Krim، الصادر عام 1990، ص.( 85-112) هذه الأبعاد
التدميرية بالقول:
"No solo se buscaba la derrota militar de Abd el-Krim, sino la
aniquilación sistemática de los recursos de subsistencia mediante agentes químicos
que envenenaron la tierra y el agua."
(لم
يكن الهدف مجرد الهزيمة العسكرية لمحمد بن عبد الكريم الخطابي، بل الإبادة
المنهجيّة لموارد العيش من خلال عوامل كيميائية سمّمت الأرض والمياه.)
ولتنفيذ
هذه المخططات الدموية وإركاع القبائل الريفية
الثائرة، لعب السلاح الجوي دوراً رأس حربة في تنفيذ تعليمات القيادة
العسكرية العليا. وهو ما يبرزه الباحث سباستيان بالفول (Sebastian
Balfour) في كتابه" العناق الممطورة: المغرب والطريق إلى الحرب
الأهلية الإسبانية" (Deadly
Embrace: Morocco and the Road to the Spanish Civil War، الصادر عام
2002، ص. 130 و142) حين يقرّ بأن:
"La aviación militar española desempeñó un papel crucial en el
lanzamiento de bombas de gases tóxicos, cumpliendo con las directrices del Alto
Estado Mayor para doblegar los valles rebeldes del Rif."
(لعب
الطيران العسكري الإسباني دوراً حاسماً في إلقاء قنابل الغازات السامة، تنفيذاً
لتوجيهات القيادة العليا لإخضاع وديان الريف الثائرة.)
إن
استمرار بعض الدوائر السياسية والإعلامية في إسبانيا اليوم في تبني مواقف عدائية أو استعلائية تجاه المغرب
يعكس تنكراً سافراً للعدالة التاريخية. فبدلاً من تقديم الاعتذار الرسمي وجبر
الضرر عن الجرائم البيئية والصحية التي ما زالت أجيال ساكنة منطقة الريف تعاني من مخلفاتها عبر انتشار امراض
السرطان بكل انواعه جراء جريمة الابادة الكيماوية هاته ، تواصل مدريد الهروب إلى
الأمام؛ متناسية أن سجلها الاستعماري في الشمال المغربي -من سيدي ورياش إلى مآسي
الكيماوي- يظل شاهداً حياً على إحدى أبشع جرائم القرن العشرين التي لن تسقط
بالتقادم.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك