بقلم : د . محمد أحدو
مع
احتدام الجدل الحاصل في إسبانيا تجاه المغرب خلال هاته الفترة، الذي تطور من نقاش
حول الهجرة بمدينة سبتة ومحاولة العبور بمليلية، إلى نفض الغبار حول احتلال سبتة
ومليلية وباقي الجزر من طرف الإسبان، وفي ظل تصاعد الخطابات العدائية ذات النفحة
العنصرية تجاه المغرب المفعمة بتدافع انتخابي محموم بإسبانيا؛ يفتح التاريخ
المشترك المغربي الإسباني أبوابه الممتدة عبر عقود من الصراع والنزاعات وحروب
التحرير التي أقدم عليها المغاربة، خاصة بشمال المغرب ومنطقة الريف، بفعل ما تعرضت
له هاته المنطقة من جرائم للإبادة باستعمال الأسلحة الكيميائية المحرمة دولياً ضد
ساكنة عزل. وهو ما يدفع العديد من الباحثين المغاربة في المهجر، وحتى الإسبان
والأجانب المعاصرين، إلى لفت الانتباه لما حدث؛ ونقف اليوم عند أحد الباحثين من
أبناء منطقة الريف الذين يعيشون في المهجر، وهو سليم بلواتي (Selim
Balouati)، الذي تناول في مقالة صحفية نشرت بإسبانيا
حدث محاولة الإبادة الجماعية لساكنة الريف من طرف المستعمر الإسباني.
حقيقة إن التاريخ المعاصربشمال إفريقيا يقف
شاهداً على فصول مظلمة من الاستعمار الأوروبي، ولعل أبرزها وأكثرها تعتيماً
هو ملف حرب الريف في عشرينيات القرن العشرين. وفي هذا السياق، تبرز أعمال الكاتب
والباحث ذي الأصول الريفية المقيم في فرنسا، سليم بلواتي، كواحدة من أهم الإسهامات
الفكرية والأكاديمية التي تفكك الذاكرة الاستعمارية الرسمية في إسبانيا وفرنسا،
متخذة من النبش في الأرشيفات العسكرية المنسية أداة لتسليط الضوء على جرائم
الإبادة الكيميائية ضد ساكنة الريف.
تتميز
مسيرة بلواتي الأكاديمية والصحفية بالاشتغال على تقاطع تاريخ الاستعمار مع دراسات
الذاكرة الجماعية وحركات التحرر. وترتكز مشاريعه البحثية على التوثيق العلمي
والتحليلي لاستخدام الأسلحة الكيميائية المدمرة - كغازات الخردل والفوسجين - من
طرف الجيش الإسباني لحسم المعارك ضد المقاومة المغربية بمنطقة الريف . ولا تقتصر تحليلاته على الجانب العسكري
البحت، بل تمتد لتشمل النقد السوسيولوجي والسياسي لتداعيات هذه الحرب على البنيات
البيئية والصحية للسكان المحليين في مناطق
قبائل قلعية، وأيت ورياغل الاكثر تضررا ، وباقي مجالات الريف الشرقي
والشمالي، لاسيما الارتباط الوجودي بين الغازات السامة التي قصفت بها المنطقة
وتفشي أمراض السرطان فيها إلى يومنا هذا.
تتجلى
خطورة هذا الإرث المستمر بوضوح في المقال الذي نشره سليم بلواتي بجريدة "إل
سالتو" (El Salto) الإسبانية بتاريخ 2 يوليوز 2022 تحت عنوان
"الأسلحة الكيميائية في الريف، النسيان والعدالة" (Armas
químicas en el Rif, olvido y justicia)، حيث أورد في نصه الإسباني الذي نحاول
ترجمته اسفله فيما يلي :
"Casi un siglo después de las atrocidades cometidas contra la población
civil en la región del Rif, España sigue evitando asumir su responsabilidad,
alejándose por completo de cualquier vía de reparación. El uso de la aviación
militar y de las armas químicas por parte de España para decidir la guerra del
Rif provocó una catástrofe humanitaria y ambiental que la historiografía
oficial ha intentado marginar y ocultar sistemáticamente ante la opinión
pública y las generaciones venideras, convirtiendo este expediente en una
herida abierta que se niega a prescribir."
"بعد
مرور قرن تقريباً على الفظائع المرتكبة ضد السكان المدنيين في منطقة الريف، تواصل
إسبانيا تفادي تحمل مسؤوليتها، مبتعدة كلياً عن أي مسار لجبر الضرر. إن لجوء
إسبانيا إلى استخدام الطيران العسكري والأسلحة الكيميائية لحسم حرب الريف أدى إلى
كارثة إنسانية وبيئية سعى التاريخ الرسمي باستمرار لتهميشها وإخفائها عن الرأي
العام والأجيال القادمة، مما جعل هذا الملف جرحاً مفتوحاً يرفض السقوط
بالتقادم."
يحمل
هذا الموقف الصادر عن بلواتي إذن دلالات عميقة تتجاوز البعد الزمني للحدث؛ فهو
يواجه سياسة "الذاكرة الانتقائية" التي تمارسها الدول الاستعمارية
السابقة. فعلى مدار عقود، عمل التاريخ الرسمي في مدريد على تهميش هذا الملف
وإبعاده عن النقاش العام، محاولاً طمس حقيقة الكارثة الإنسانية والبيئية التي خلفتها
السموم الكيميائية فوق الأرض الريفية المغربية. غير أن إصرار باحثين من أجيال
المهجر ، مثل سليم بلواتي، على إحياء الأرشيف ومطالبة القوى الاستعمارية بالاعتراف
والمسؤولية، يثبت أن الجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، وأن الذاكرة الجماعية
لساكنة هاته المنطقة تظل حية في مواجهة سياسات النسيان.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك