استراتيجية المغرب: من تدبير التوازنات إلى إعادة تشكيل قواعد التسوية

استراتيجية المغرب: من تدبير التوازنات إلى إعادة تشكيل قواعد التسوية
أقلام حرة / الإثنين 02 نونبر 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم : سعيد الكحل

لم يعد من الممكن قراءة التحولات التي تعرفها قضية الصحراء المغربية بالمنطق السياسي والدبلوماسي الذي حكم تدبيرها خلال العقود الماضية. فالمغرب، الذي تعامل طويلاً مع النزاع باعتباره قضية تتطلب إدارة مستمرة للتوازنات الميدانية والدولية، انتقل إلى مرحلة مختلفة تقوم على تغيير شروط تدبير الملف نفسه، وإعادة تشكيل مرجعياته السياسية والمؤسساتية، بما يجعل مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساس التسوية النهائية لملف الصحراء.

ويكمن جوهر هذا التحول في الانتقال من استراتيجية تدبير النزاع إلى استراتيجية تغيير قواعده تنفيذا للإستراتيجية التي وضعها جلالة الملك كما جاء في خطاب افتتاح البرلمان سنة 2024 " لقد قلت، منذ اعتلائي العرش، أننا سنمر في قضية وحدتنا الترابية، من مرحلة التدبير، إلى مرحلة التغيير، داخليا وخارجيا، وفي كل أبعاد هذا الملف. ودعوت كذلك للانتقال من مقاربة رد الفعل، إلى أخذ المبادرة، والتحلي بالحزم والاستباقية".

في مرحلة التدبير، كان المغرب يواجه محاولات البوليساريو والجزائر إعادة إنتاج النزاع في المحافل الدولية، ويعمل على الحد من آثارها، بالتوازي مع تعزيز حضوره الدبلوماسي في إفريقيا وأوروبا وأمريكا وآسيا. أما استراتيجية التغيير فتقوم على جعل استمرار الصيغة القديمة أكثر صعوبة، والدفع نحو اعتماد مرجعية سياسية جديدة تضع الحكم الذاتي في قلب التسوية.

وتتجلى هذه الاستراتيجية في أربعة تحولات مترابطة:

أولها، الانتقال من الدفاع عن الموقف المغربي إلى تقديم مشروع مؤسساتي قابل للتفاوض والتنفيذ، يتمثل في الحكم الذاتي.

ثانيها، الانتقال من التعامل مع الاعترافات الدولية باعتبارها مكاسب دبلوماسية منفصلة إلى توظيفها في بناء كتلة سياسية داعمة لتغيير مقاربة المجتمع الدولي للنزاع.

ثالثها، الانتقال من اعتبار المينورسو إطاراً دائماً لإدارة الملف إلى طرح سؤال جدوى استمرارها بالمهام والصيغة نفسيهما، بعدما استحال تنفيذ المهمة الأصلية المتعلقة بتنظيم الاستفتاء.

رابعها، الانتقال من التركيز على البعد الترابي للنزاع إلى ربط التسوية بمستقبل التنمية والحكامة والاستقرار الإقليمي، خصوصاً في ظل التحولات التي تعرفها منطقة الساحل والواجهة الأطلسية الإفريقية.

ومنذ سنة 2007، أصبحت مبادرة الحكم الذاتي حاضرة في قرارات مجلس الأمن ومناقشاته، إلى أن جاء القرار 2797 في 31 أكتوبر 2025 ليمنحها مكانة مركزية في العملية السياسية. وتكمن أهمية هذا القرار في أنه لم يكتف بالإشارة إلى المبادرة المغربية، بل جعلها أساساً للمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي.

الـﯕرﯕرات.. النموذج الذي كشف قدرة المغرب على تحويل أخطاء الخصم إلى فرص للتغيير.

إذا كان القرار 2797 يعكس التحول في المرجعية الدبلوماسية، فإن أحداث الـﯕرﯕرات في نونمبر 2020 تقدم نموذجاً عملياً لكيفية تعامل المغرب مع الأزمات الميدانية باعتبارها فرصاً لإعادة ترتيب المعادلة السياسية. ومنذ ذلك التاريخ، واصل المغرب توظيف موقعه الجغرافي وشراكاته الإفريقية ومشاريعه الاقتصادية لتوسيع البعد الاستراتيجي للأقاليم الجنوبية. فمشروع ميناء الداخلة الأطلسي، ومشاريع البنيات التحتية والطرق، والمبادرة الأطلسية لفائدة دول الساحل، كلها عناصر تندرج ضمن رؤية تجعل الأقاليم الجنوبية فضاء للربط الاقتصادي والتعاون الإقليمي، وليس مجرد مجال جغرافي موضوع نزاع.

وتكشف هذه التجربة عن قاعدة أساسية في الاستراتيجية المغربية: عدم الاكتفاء بإبطال مفعول تحركات الخصم، وإنما تحويل نتائجها إلى فرص لتعزيز الحضور الميداني والدبلوماسي والاقتصادي.

الفيتو الروسي ينهي الحماية الدولية لانفصال.

صارت قناعة لدى الولايات المتحدة الأمريكية بأن استمرار بعثة أنشئت لتنظيم استفتاء لم ينفذ منذ أكثر من ثلاثة عقود لا يمكن أن يشكل سياسة دائمة، وأن المطلوب هو إعادة توجيه الحضور الأممي نحو دعم الحل السياسي. لهذا قدمت مشروع قرار يحذف عبارة الاستفتاء من اسم البعثة ويجعل الحكم الذاتي الأساس الوحيد للتفاوض. أما روسيا فتعتبر أن تغيير اسم البعثة ومهامها وفق مشروع يركز على الحكم الذاتي قد يؤدي إلى استباق نتيجة التسوية، ويضعف مبدأ تقرير المصير، ولذلك استخدمت حق النقض.

وهنا تظهر المفارقة: روسيا منعت الانتقال إلى الصيغة الأمريكية الجديدة، لكنها لم تتمكن من فرض استمرار الصيغة القديمة. فمنذ 1991، ظلت البعثة مرتبطة بمهمة تنظيم الاستفتاء ومراقبة وقف إطلاق النار، لكن تعذر تنفيذ الاستفتاء جعلها تتحول تدريجياً إلى آلية لإدارة الوضع القائم، دون أن تتمكن من إحداث اختراق سياسي ينهي النزاع. وليس واردا في المهام الأصلية للمينورسو إنهاء الصراع، بل ما تسرب من أخبار وفيديوهات لعناصر من البعثة وهم يحرضون سكان الصحراء على الانفصال والتمرد وزعزعة الاستقرار، دليل قاطع على أن المهمة الأصلية غير المعلنة للبعثة هي شرعنة الانفصال وتكريسه وتوفير الحماية الدولية للانفصاليين وتشجيع أنشطتهم التخريبية. أي أن البعثة كانت ترعى الانفصال وتحرض عليه. ولعل بيان المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة في 1 نونبر 2026، يؤكد أن الانفصال هو الهدف المركزي الذي أنشئت من أجله البعثة من خلال مضمونه والعبارات المستعملة ومنها وصف ساكنة الصحراء المغربية بـ "شعب الصحراء" كالتالي (وقد أنشئت بعثة المينورسو لحماية شعب الصحراء الغربية وخدمته ولا سيما لتمكينه من ممارسة حقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير). وكأنه بيان صاغته جبهة البوليساريو في قصر المرادية وليس هيئة أممية مفروض فيها الحياد. ومن ثم فإن إنهاء مهام المينورسو هو إنهاء لوجود حماية دولية للانفصال. 

بعد فشل مجلس الأمن في تجديد ولاية المينورسو والذي ترتب عنه إنهاء مهامها في الأقاليم الجنوبية للمغرب، وبعد قرار مجلس الأمن 2797 ، فإن استمرار إدراج ملف الصحراء ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، ومعالجته في اللجنة الرابعة للجمعية العامة، بات متجاوزا، مما يفرض العمل على إخراجه منها.

خيارات البوليساريو والجزائر بين المشاركة في التسوية ومخاطر الانسداد.

في ظل هذه التحولات، تواجه جبهة البوليساريو خيارات محدودة. فالانسحاب من المفاوضات لن يغير المرجعيات التي اعتمدها مجلس الأمن في قراراته منذ 2007، وخاصة قرار 2797، ولن يضعف بالضرورة الموقف المغربي، بل قد يُعدم قدرة الجبهة على التأثير في تفاصيل أي تسوية مقبلة، ويترك المجال مفتوحاً أمام الأطراف الدولية لإعادة ترتيب المسار السياسي وفق المعطيات الجديدة.

أما العودة إلى التصعيد العسكري فتنطوي على مخاطر تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة لقيادة الجبهة. فهي تهدد الأمن والاستقرار الإقليميين، وتنعكس مباشرة على الأوضاع الإنسانية لسكان المخيمات، فضلاً عن تداعياتها على العلاقات مع الأطراف الدولية الداعية إلى استئناف المسار السياسي واحترام الالتزامات المرتبطة بوقف إطلاق النار.

ولا يمكن فصل خيارات الجبهة عن دور الجزائر في النزاع. فالاستمرار في إدارة الصراع عبر التصعيد السياسي والدبلوماسي، أو تعطيل المبادرات الرامية إلى تسوية واقعية، من شأنه إطالة أمد الأزمة وتعميق كلفتها الإقليمية والإنسانية. كما أن التحولات في منطقة الساحل، وما تفرضه من تحديات أمنية واقتصادية، تجعل استمرار النزاع عبئاً إضافياً على استقرار المنطقة وفرص اندماجها.

وعليه، فلا خيار أمام البوليساريو سوى فك الحصار على المحتجزين في مخيمات تندوف وتمكينهم من حقهم في الاختيار بين "الحلول الدائمة الثلاثة" التي يضمنها القانون الدولي في إطار عمل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) وهي: العودة الطوعية إلى الوطن الأم، أو الاندماج المحلي في البلد المضيف، أو إعادة التوطين في بلد ثالث. فقطار الحكم الذاتي انطلق بسرعته القصوى ولا مجال لانتظار من تأخر عن الصعود. أما الإصرار على رفض كل صيغة لا تستجيب للمطلب الانفصالي، فقد وضع البوليساريو في مواجهة المنتظم الدولي الذي يدعم مبادرة المغرب ويعتبرها الأساس الوحيد لحل النزاع (11 دولة في مجلس الأمن أيدت مشروع القرار الأمريكي بتقليص مهام وآجال البعثة الأممية)  فسيسرع بتصنيف الجبهة كمنظمة إرهابية؛ وقد بادر أعضاء من الكونغريس الأمريكي إلى تقديم مشاريع قوانين في هذا الإطار، خصوصا إذا لجأت الجبهة إلى شن هجمات مسلحة ضد المغرب.

من الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي إلى إعداد شروط تطبيقها.

إذا كان المغرب قد نجح في جعل الحكم الذاتي محوراً أساسياً في المسار الدبلوماسي، فإن المرحلة المقبلة تقتضي الانتقال من الدفاع عن المبادرة إلى إعداد شروط تطبيقها. ذلك أن إقناع المجتمع الدولي بواقعية الحكم الذاتي وجدواه في إنهاء النزاع لا ينفصل عن إقناعه بقدرة المغرب على تنزيله بما يضمن الاستقرار وصون الحقوق وتوسيع المشاركة الفعلية في تدبير الشؤون المحلية.

 

 

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك