بقلم:فريد آيت لحسن
في الذكرى العاشرة لتراجيديا محسن فكري، التي فجرت حراك الريف يوم 28 أكتوبر 2016، لا أكتب لاستعادة ذكرى عابرة، ولا لأقدم مرثية جديدة لضحايا انتهى زمنهم في نظر المخزن. أكتب لأن الجرح ما زال مفتوحا، ولأن النزيف لم يتوقف، ولأن عشر سنوات من القمع والاعتقال والتهميش والمنفى لم تستطع أن تطوي صفحة حراك كشف عورة الدولة المخزنية، وعرى زيف خطاب المصالحة والعهد الجديد، وأثبت أن ما تسميه السلطة استقرارا قد لا يكون، في نظر ضحاياها، سوى صمت مفروض بالقوة، وأن ما تسميه طي صفحة الماضي ليس سوى محاولة لإغلاق الملفات قبل كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عنها .
وأكتب بصفتي ريفيا وأحد ضحايا ما أعتبرته الآلة الجهنمية المخزنية، التي طالتني آثارها في صورة اغتيال رمزي ونفي ومتابعة قضائية أعتبرها ظالمة، وصولا إلى محاكمة الدار البيضاء المشؤومة. لست شاهدا محايدا على المأساة، ولا محللا يقف خارج دائرة النار؛ أنا أيضا أحمل نصيبي من جراح الإقصاء والملاحقة ومحاولات التشويه. أعرف من تجربتي أن العقاب لا يحتاج دائما إلى زنزانة، وأن اغتيال الإنسان رمزيا قد يكون محاولة لإعدام صوته ومكانته وحقه في الوجود داخل المجال العام. وقد يكون النفي امتدادا للعقاب، وقد تتحول المحاكمة، في نظر من يعتبر نفسه مستهدفا ظلما، من فضاء للإنصاف إلى محطة أخرى في مسار طويل من الاستنزاف.
لا أستحضر تجربتي لأختزل مأساة الريف في معاناتي الشخصية، ولا لأساوي بين مسارات مختلفة، بل لأقول إن ما عشناه ليس منفصلا عن السؤال الأكبر المتعلق بحجم هذا العقاب الجماعي الممنهج. أكتب لأنني أرفض أن يصبح الضحايا مطالبين بالصمت كي لا يزعجوا الرواية المخزنية الرسمية، وأن يصبح رد الاعتبار الرمزي امتيازا سلطويا مؤجلا، وأن يتحول مرور السنوات إلى وسيلة لتقادم الذاكرة بينما تظل آثار الجرائم قائمة . إنني أرفض أن تكون الكلفة التي تحملتها، كما تحملها آخرون، مجرد هامش في سجل لا يريد أصحابه فتحه.
بدأت الحكاية بمأساة محسن فكري، لكن ما كشفته تجاوز حدود الواقعة نفسها. لقد أظهرت تلك اللحظة حجم الغضب المتراكم في الريف، وعرت واقعا يشعر فيه الريفي بأن كرامته مستباحة وأن حقوقه لا تجد طريقها إلى المؤسسات إلا بعد أن تتحول إلى صرخة جماعية. خرج شعب الحراك، بقاعدته الجماهيرية الواسعة، مطالبا بالكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية والتنمية والحق في تقرير مستقبل المنطقة. لم يخرج ليطلب المستحيل، ولم يكن من حق أحد أن يحول مطالبه إلى تهمة أو أن يختزل غضبه في مؤامرة. ومع ذلك، اختارت الدولة المخزنية، بدل الإنصات إلى عمق الرسالة، أن تضع الحراك في قفص الاتهام، وأن تواجه المطالب بالمقاربة الأمنية، وأن تحول أزمة سياسية واجتماعية إلى ملف للملاحقة والعقاب الجماعي.
هنا بدأت الفاتورة الكبرى. اعتقالات ومحاكمات وأحكام ثقيلة، عائلات ممزقة بين السجون والانتظار، وأمهات وآباء عاشوا سنوات من الألم قبل أن يرحل بعضهم من دون أن يرى أبناءه أحرارا. وما يزال ناصر الزفزافي ورفاقه عنوانا حيا لهذه المأساة، وما تزال عائلات المعتقلين تدفع ثمن غياب لم تختره. إنني أرفض أن تتحول معاناة هؤلاء إلى تفصيل ثانوي في خطاب رسمي يطلب من الجميع تجاوز الماضي، وكأن السنين التي ضاعت من أعمار المعتقلين يمكن استعادتها، وكأن طفولة الأبناء التي مرت في الغياب يمكن تعويضها، وكأن موت الآباء والأمهات قبل احتضان أبنائهم أحرارا حادث عابر لا يستدعي مساءلة سياسية وأخلاقية.
لقد سقط قناع العهد الجديد أمام امتحان الريف الشامخ . فبعد كل ما قيل عن الإنصاف والمصالحة وتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة وطي صفحات الانتهاكات، جاءت تجربة الحراك لتطرح السؤال الذي لا يستطيع التجميل السياسي إخفاءه: ما قيمة المصالحة إذا ظل الضحايا ينتظرون الإنصاف، وإذا تحولت المطالب الاجتماعية إلى مبرر للتدخل الأمني، وإذا أمكن أن يدفع الإنسان ثمنا باهظا لمجرد مشاركته في احتجاج أو دفاعه عن قضية؟ إنني أرى أن المصالحة التي لا تبدأ بالحقيقة ولا تنتهي بالمساءلة ليست إلا واجهة لغوية تخفي استمرار الأزمة. لا يمكن مطالبة الضحايا بالنسيان بينما لم يحصلوا على حقهم في معرفة الحقيقة، ولا يمكن بناء الثقة عبر مطالبة المجتمع بأن ينسى ما لم تعترف السلطة القائمة بمسؤوليتها عنه.
ولم يكن ما جرى ممكنا من دون غطاء سياسي ساهمت فيه الدكاكين السياسية التي اختارت، في لحظات حاسمة، شرعنة التدخل الأمني أو تبرير الرواية المخزنية الرسمية أو إدارة الظهر لمطالب الجماهير. لقد فضح الحراك نفاق التمثيل السياسي المحلي حين يتحدث بعض البراحين باسم المواطنين في المواسم الانتخابية، ثم يتخلون عنهم عندما تصبح حقوقهم موضع اختبار. كما عرى ما أسميه “حزب الكوركاس الريفي”، الذي صار اليوم يقود حكومة الملاعب.
لكن الدولة المخزنية لم تستطع، رغم كل ذلك، أن تنتزع من الحراك معناه التاريخي. لقد أعاد الحراك الريف إلى قلب السؤال السياسي، وأعاد الاعتبار إلى شرعيته التاريخية، ورفع أسهم شعب عبد الكريم الخطابي في بورصة القيم والمقاومة والكرامة. لم يعد ممكنا التعامل مع الذاكرة الريفية باعتبارها هامشا يمكن تجاهله، أو مع تاريخ المقاومة باعتباره إرثا منزوع الدلالة السياسية. لقد أكد الحراك أن الذاكرة ليست ملكا للسلطة، وأنها لا تخضع للمحو بقرار إداري، ولا تنحني أمام حملات التخوين والتشويه. وكلما حاولت الرواية الرسمية اختزال الريف في ملف أمني، عادت تضحيات أبنائه لتطرح سؤال الكرامة والعدالة والاعتراف بالدين التاريخي للمنطقة.
ومن ريف الداخل إلى ريف الشتات والدياسبورا، امتدت آثار المأساة وتكاثرت أسئلتها. في الداخل، يواجه السكان آثار سياسات التهميش والعقاب الجماعي، فيما يغادر الشباب بحثا عن مستقبل لا يجدون شروطه في أرضهم. وفي الشتات، يحمل المهاجرون والمنفيون ذاكرة الريف وقضيته، ويواصلون المطالبة بالإنصاف من وراء الحدود. وأنا، بما عشته من نفي وإقصاء، أعرف أن الابتعاد عن الريف لا يعني الانفصال عنه، وأن المنفى لا يقطع حبل الذاكرة، لكنه يفرض كلفة إنسانية وسياسية لا يجوز التقليل من شأنها. إن تهجير الإنسان عن محيطه، أو دفعه إلى العيش بعيدا عن أرضه، لا يمحو انتماءه؛ بل قد يحول المسافة إلى شهادة مستمرة في البحث عن الشروط الاجتماعية والتاريخية والسياسية التي اضطرته إلى الرحيل.
وأرى أن نزيف تهجير الشباب وانهيار الاقتصاد المحلي وتآكل الطبقة المتوسطة ليست قضايا منفصلة عن المأزق السياسي. إنها جزء من واقع يضيق فيه الأفق أمام الأجيال الجديدة، وتتراجع فيه فرص العمل والاستثمار، وتصبح الهجرة في نظر كثيرين المخرج الوحيد من انسداد المستقبل. وكلما غادر شاب أرضه من دون أن يرى أفقا للعودة، خسر المجتمع طاقة جديدة، وتعمقت هشاشة الاقتصاد المحلي، واتسعت المسافة بين الناس والمؤسسات. أما التنمية التي لا تنعكس على حياة السكان، ولا تمنحهم القدرة على بناء مستقبلهم، فتبقى شعارا مهما بلغ حجم الدعاية المحيطة بها.
وما يزيد الشعور بالاختناق أن قطاعات من السكان ما تزال تصف الريف بأنه معسكر مفتوح، في ظل الحضور الأمني المكثف وعسكرة الشارع العام بالبوليس السري. إنني أرى أن تحويل المجال العام إلى فضاء للرقابة لا يصنع استقرارا حقيقيا، بل يعمق الشعور بالحصار ويضعف الثقة. كما أن المخاوف المرتبطة بالظواهر الاجتماعية الجديدة، وما يثار حول تساهل الجهات الأمنية والإدارية والقضائية في مواجهة هذه الظواهر، تستدعي تحقيقات مستقلة لا تكتفي بالإنكار ولا تتعامل مع المجتمع الريفي باعتباره مسؤولا عن كل ما يصيبه. إن حماية الريف تبدأ بحماية شبابه واقتصاده ونسيجه الاجتماعي، وبكشف كل مسؤولية تثبت بالأدلة، لا بترك السكان وحدهم أمام مظاهر التدهور والتفكك الاجتماعي الخطير.
أما التعذيب وسوء المعاملة والتهديد بالاغتصاب التي وردت بشأنها شهادات مرتبطة بالمعتقلين، إلى جانب الطعون في مصداقية المحاضر المفبركة ، فلا يجوز أن تختفي في ضجيج السياسة المخزنية والزيف الحقوقي ، هذه مسائل تمس كرامة الإنسان الريفي وحرمة جسده وحقه في محاكمة عادلة، وتستوجب تحقيقا مستقلا وشفافا ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته. إنني أرفض أن تصبح خطورة الاتهامات سببا لإسكات أصحابها، كما أرفض تحويل الادعاءات إلى أحكام نهائية من دون تحقيق؛ فالمطلوب هو الحقيقة، لا التستر ولا التوظيف. ومن دون ضمانات فعلية للعدالة، سيظل الجرح الحقوقي بالريف مفتوحا، وسيظل خطاب المصالحة عاجزا عن إقناع الضحايا بأن الدولة القائمة مستعدة لمراجعة ممارساتها.
وبصفتي أحد من يعتبرون أنفسهم ضحايا الاغتيال الرمزي والنفي والمتابعة القضائية الجبانة، أرفض أن يحصر الإنصاف في الإفراج عن معتقل أو إغلاق ملف قضائي. إن رد الاعتبار ضرورة، ورفع آثار التشهير والإقصاء ضرورة، وضمان ألا تتحول الإجراءات القضائية إلى أدوات لاستنزاف أصحاب المواقف المخالفة ضرورة أخرى. ولا أدعي أن تجربتي تمثل كل التجارب، لكنني أرفض أيضا أن يتم التعامل معها باعتبارها تفصيلا لا قيمة له. فالعدالة التي لا ترى إلا الأحكام ولا ترى آثارها في حياة الناس عدالة ناقصة، والمصالحة التي لا تعترف بالضرر المعنوي والاجتماعي والسياسي لا تستكمل شروطها.
بعد عشر سنوات، أجدني أمام السؤال نفسه، لكن بجرح أعمق وفاتورة أثقل: هل تريد الدولة المخزنية معالجة جذور الأزمة، أم تريد فقط إدارة نتائجها وتأجيل انفجار أسئلتها؟ هل ستعترف بأن الريف مجتمع له حقوق وذاكرة وشرعية تاريخية، أم ستواصل التعامل معه بمنطق أمني يرى في الاحتجاج خطرا وفي الاختلاف تهديدا؟ وكيف يمكن الحديث عن الاستقرار فيما يستمر نزيف الشباب، وتبقى العائلات رهينة الانتظار، ويظل ضحايا الإقصاء والملاحقة يطالبون برد الاعتبار، ولا تزال أسباب الاحتقان من دون معالجة جذرية؟
إن الدين التاريخي للريف لا يسقط بالتقادم، ولا تسدده الوعود المؤجلة ولا مشاريع التجميل ولا حملات العلاقات العامة. يبدأ تسديده بالحقيقة الكاملة، والإفراج عن المعتقلين على خلفية الحراك، وجبر ضرر الضحايا وأسرهم، والتحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، ووقف سياسة العقاب الجماعي والتهميش والإقصاء. ويقتضي أيضا إنهاء المقاربة التي تجعل الأمن بديلا عن السياسة، وإرساء تنمية حقيقية تحفظ الاقتصاد المحلي وتمنح الشباب أسباب البقاء والعيش الكريم، والاعتراف بضحايا النفي والاغتيال الرمزي والمتابعات التي يعتبرونها ظالمة، وفتح الطريق أمام رد الاعتبار وضمان عدم التكرار.
لا أكتب هذه الكلمات طلبا للشفقة، ولا لأستبدل رواية رسمية بأخرى مغلقة على نفسها. أكتب لأنني أرفض أن يصبح الخوف قاعدة، وأن يتحول الصمت إلى فضيلة مفروضة، وأن يطالب الضحايا بالتسامح قبل الحقيقة، وبالنسيان قبل الإنصاف. أكتب لأنني أعتبر أن الدفاع عن كرامتي لا ينفصل عن الدفاع عن كرامة المعتقلين وعائلاتهم، ولا عن حق الريف في أن يروي تاريخه من دون وصاية، ولا عن حق كل مواطن في أن يطالب بالعدالة من دون أن يخشى أن يدفع ثمن صوته.
عشر سنوات مرت، لكن الحراك لم يتحول إلى ماض، والجرح لم يصبح ندبة مغلقة، والدين التاريخي للريف لم يسقط. قد تستطيع السلطة أن تطيل زمن الأزمة، وأن تحاصر الشوارع، وأن تدير ظهرها للمطالب، لكنها لا تستطيع أن تصنع مصالحة بقرار، ولا أن تنتزع من الناس ذاكرتهم، ولا أن تجعل مرور الزمن برهانا على زوال الجرائم والعدوان .إن الشرعية التاريخية للريف لا تمنحها الدكاكين السياسية ولا تصنعها أجهزة الأمن المخزنية ؛ إنها تنبع من تضحيات الناس ومن حقهم في الكرامة والحرية والعدالة.
أنا أكتب بصفتي شاهدا على جرح جماعي، وأحد من يرون أنفسهم ضحايا آلة الإقصاء والملاحقة، وأرفض أن تكون معاناة الريف مادة لذكرى سنوية تنتهي بانتهاء الخطابات. ما أريده ليس طي الصفحة فوق جراح مفتوحة، بل تغيير الواقع الذي أبقاها مفتوحة. وما أطالب به ليس امتيازا للريف، بل حقه في العدالة والإنصاف والعيش الكريم. لن تكون المصالحة حقيقية ما دام الضحايا مطالبين بالنسيان، ولن يستعيد الاستقرار معناه ما دامت الكرامة موضع مساومة، ولن يسقط الدين التاريخي للريف لمجرد أن السلطة المخزنية قررت أن تتوقف عن الحديث عنه.
وفي الختام، أنحني إجلالا وإكبارا لكل الذين رحلوا وتركوا في ذاكرة الريف جراحا لا تندمل، وفي مقدمتهم الشهيد محسن فكري، الذي أشعل رحيله شرارة الغضب في وجه الإهانة والظلم، والشهيد عماد العتابي، الذي سيظل اسمه محفورا في سجل تضحيات هذا الشعب. أنحني لكل من دفع حياته ثمنا للكرامة، ولكل من غادرنا قبل أن يرى الريف حرا من الخوف والتهميش، وقبل أن يحتضن المعتقلون أبناءهم وأمهاتهم وآباءهم في فضاء الحرية.
أنحني إجلالا لناصر الزفزافي ورفاقه، ولجميع المعتقلين الذين ما زالوا خلف القضبان، يدفعون من أعمارهم ثمن مرحلة لم تتحمل فيها السلطة صوت الاحتجاج. وأنحني للأمهات والآباء الذين رحلوا بعيدا عن أبنائهم في السجون والمنافي، يحملون غصة الفراق وأمنية اللقاء التي لم تتحقق، وللأبناء الذين كبروا في غياب آبائهم، وللزوجات والأسر التي واجهت وحدها قسوة الانتظار وتبعات الاعتقال والنفي. هؤلاء ليسوا أرقاما في ملف سياسي، بل أرواح وحيوات وأحلام اقتطعت منها سنوات لا تعوضها الكلمات ولا تجبرها الوعود.
وأحيي بإجلال كل الذين بقوا أوفياء لحراك الريف، رغم سنوات الحصار والتخوين والتشويه والإرهاق، ولم يساوموا على ذاكرته أو يتخلوا عن مطالبه. أحيي كل من رفض أن تتحول التضحيات إلى مادة للنسيان، أو أن يصبح مرور الزمن مبررا للتنازل عن الحق في الحقيقة والإنصاف. فالحراك ليس مجرد احتجاج انتهى بانتهاء مظاهراته، ولا ملفا يغلق بقرار سياسي أو حكم قضائي؛ الحراك قضية، والقضية لا تموت ما دامت أسبابها قائمة، وما دام هناك من يحمل ذاكرتها ويدافع عن كرامة أصحابها.
وأوجه تحية إجلال إلى شعب الحراك في ريف الشتات والدياسبورا، إلى المهجرين والمنفيين في المنافي الأوروبية، الذين حملوا الريف معهم أينما حلوا، وظلت المسافة بينهم وبين الأرض جغرافية لا تمحو الانتماء ولا تطفئ الذاكرة. تحية إلى الذين حولوا المنفى إلى مساحة للشهادة والتضامن، وإلى الذين واصلوا الدفاع عن المعتقلين وحقوق الريف، رغم ما يرافق الغربة من وحدة وحرمان واقتلاع من المحيط الاجتماعي والإنساني.
وأحيي المرأة الريفية التي تعاني بصمت، وتتحمل أعباء الفقد والانتظار وتداعيات التهميش، وتحمل البيت والأسرة والذاكرة حين يغيب الأب أو الابن خلف القضبان أو وراء الحدود. أحيي الأمهات والزوجات والأخوات والبنات اللواتي لا تظهر أسماؤهن دائما في واجهة الأحداث، لكنهن يحملن قسطا ثقيلا من فاتورة الحراك، ويواصلن الحياة في مواجهة الألم، ويحفظن في تفاصيل يومهن ما لا تستطيع البيانات السياسية أن ترويه.
وأحيي صغار التجار والفلاحين والمزارعين، وكل حماة الاقتصاد المحلي الريفي الذين يواصلون العمل في ظروف صعبة، ويتمسكون بأرضهم وأرزاقهم رغم ضيق الآفاق وتراجع الفرص وتراكم الأزمات. هؤلاء هم العمود الفقري للحياة اليومية في الريف، وحمايتهم ليست مسألة اقتصادية فحسب، بل دفاع عن قدرة المجتمع على البقاء وعن حق الناس في العيش من عملهم بكرامة، بعيدا عن التهميش والتبعية والاضطرار إلى الهجرة.
كما أنحني وفاء وتقديرا للمرابطين في الجبال الريفية، لأولئك الذين ظلوا أوفياء للأرض والذاكرة، ولمن يحملون في صمودهم معنى الارتباط العميق بالريف وتاريخه وكرامته. تحية لكل من بقي في الجبال والقرى، ولكل من تشبث بالأرض في وجه قسوة الظروف، ولكل من جعل من الوفاء موقفا يوميا لا شعارا موسميا.
إلى هؤلاء جميعا أكتب، ومن أجلهم أرفض الصمت، وباسم ذاكرتهم أرفض أن يتحول النسيان إلى سياسة، أو أن تصبح المصالحة غطاء لإغلاق الجراح دون إنصاف أصحابها. لا أملك أن أعيد إلى الراحلين أعمارهم، ولا أن أختصر سنوات السجن والمنفى، لكنني أملك أن أشهد، وأن أكتب، وأن أتمسك بحقهم في الذاكرة والحقيقة والكرامة.
المجد لضحايا الريف، والحرية للمعتقلين، والإنصاف للعائلات، والكرامة لشعب الحراك في الداخل والشتات.
الريف ليس ذاكرة للماضي وحده، بل قضية عدالة وكرامة ومستقبل. والحراك، مهما طال زمن الحصار، لن تمحوه السنوات؛ لأن القضايا التي تسكن وجدان الشعوب لا تموت بموت أصحابها، ولا تنتهي بانتهاء محاكماتهم، بل تظل حية ما دام هناك من يتذكر، ومن يشهد، ومن يرفض أن يكون الظلم هو الكلمة الأخيرة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك