بقلم:لبنى مطرفي
تُعيد التطورات المتسارعة على خط الفنيدق-سبتة طرح أزمة الحدود البحرية والبرية في غرب المتوسط بأسلوب أكثر حدة ومكاشفة؛ فهي لم تعد مجرد اختراقات أمنية عابرة أو اندفاعة شبابية محكومة بـ "شائعات العالم الافتراضي"، بل أضحت مظهراً صريحاً لتقاطع محتدم بين انسداد الأفق الاجتماعي المحلي، وتعقد الحسابات الجيوسياسية بين الرباط ومدريد والبروكسيل.
في العمق، تكشف هذه الأحداث حدود المقاربة التنموية في الشريط الحدودي؛ فإغلاق معبر "التهريب المعيشي" — وهو قرار سيادي مستحق لحماية الاقتصاد الوطني — لم تترافقه بدائل اقتصادية سريعة تستوعب آلاف الأسر المحرومة فجأة من مصدر عيشها الوحيد. هذا الفراغ المستمر حول رغبة العبور لدى الشباب من مجرد بحث عن فرصة عمل إلى ما يشبه "فعل احتجاج جماعي" يعبر عن فجوة الثقة والشعور بالاحتباس الاجتماعي.
غير أن البعد الأكثر تعقيداً يكمن في التدافع الجيوسياسي وتوزيع الأعباء بين الضفتين:
مأزق الدور الأمني للمغرب:تجد الرباط نفسها في موقع متطلب ومكلف للغاية؛ إذ تتحمل فاتورة أمنية ولوجستية وسياسية باهظة لحماية حدود القارة الأوروبية. هذا الدور يضع المؤسسة الأمنية أمام ضغط مزدوج: التزامٌ بمقتضيات الشراكة مع مدريد من جهة، ومواجهة انتقادات الرأي العام الداخلي الذي يتأثر إنسانياً بمشاهد المطاردات والاحتجاز من جهة أخرى.
الابتزاز السياسي في الداخل الإسباني: تُسارع الأحزاب اليمينية واليمين المتطرف (Vox وPP) في مدريد إلى استغلال أي توتر على السور الحدودية للمزايدة على حكومة بيدرو سانشيز. يُعاد توظيف يأس الشباب المغاربة كـ "ورقة ضغط" حزبية للتشكيك في نجاعة التحالف الاستراتيجي مع المغرب، ومطالبة بروكسيل بفرض وصاية أمنية أشد.
الهروب الأوروبي من المسؤولية: يستمر الاتحاد الأوروبي في التعامل مع ملف الهجرة بالمنطق "الاستعراضي"؛ فهو يريد حماية حدوده بأقل التكاليف السياسية والمادية، مقتصراً على دعم أمني محدود بدلاً من طرح استثمارات تنموية هيكلية في دول المصدر والعبور تعالج الجذور الحقيقية للأزمة.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في رفع ارتفاع الأسوار ولا في زيادة عدد الكاميرات الحرارية، فالمقاربة الأمنية السرفة أثبتت عجزها عن إيقاف تدفق يتغذى على الفوارق الاقتصادية الصارخة.
إن الخروج من هذا المطب يتطلب انتقالة شجاعة: من جهة، صياغة عقد اجتماعي وتنموي محلي في الشمال يمنح الشباب أسباب العيش الكريم داخل وطنهم؛ ومن جهة أخرى، فرض إعادة تعريف جذري للشراكة مع بروكسيل ومدريد، تبتعد عن دور "حارس الحدود" لتستقر على شراكة اقتصادية وتنموية متكافئة تحمل فيها أوروبا مسؤوليتها الأخلاقية والمالية كاملة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك