بقلم:نعيم بوسلهام
عاد ما يسمى بـ المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة ليعقد جمعه العام السادس عشر يوم 16 ماي 2026، وسط لغة إنشائية مألوفة عن “إحياء التدين الرشيد”، و”دين الحب والود والسماحة”، و”نبذ العنف والتطرف”، وهي الشعارات التي باتت تتكرر في بيانات المجلس وتقاريره السنوية بشكل يكاد يحولها إلى لازمة محفوظة أكثر منها مشروعاً فكرياً أو إصلاحياً حقيقياً.
المفارقة المؤلمة أن هذا المجلس، الذي يفترض أنه إطار علمي وفكري يخاطب ملايين المغاربة المقيمين بأوروبا، لا يكاد يُنتج أثراً علمياً أو معرفياً أو مجتمعياً ملموساً يوازي حجم الإمكانات والتمويل والامتيازات التي تُصرف عليه. فلا دراسات رصينة تؤثر في النقاش العمومي، ولا اجتهادات فقهية نوعية تستجيب لتحولات الهجرة والهوية، ولا مبادرات فكرية قادرة على معالجة الأسئلة المعقدة التي تواجه الأجيال المغربية الجديدة في الغرب. كل ما هنالك تقارير أدبية ومالية واجتماعات موسمية وصور تذكارية وبلاغات فضفاضة تُستهلك بسرعة ثم تُنسى.
لقد أصبح واضحاً أن جزءاً كبيراً من هذه المؤسسات يعيش حالة “تضخم مؤسساتي” دون مضمون حقيقي، حيث تتحول البنية التنظيمية إلى غاية في حد ذاتها، بينما يغيب الإنتاج الفكري والمعرفي. وهنا نستحضر ما يسميه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر بـ”البيروقراطية المغلقة”، أي المؤسسات التي تستمر في الوجود فقط لأنها تملك آليات الاستمرار الإداري والمالي، لا لأنها تحقق وظائف اجتماعية حقيقية.
إن الحديث المتكرر عن “التدين الرشيد” لم يعد كافياً لإقناع أحد، خاصة عندما يتحول هذا المفهوم إلى مجرد غطاء لغوي لتبرير العجز الفكري والفراغ العلمي. فالتدين الرشيد لا يُبنى بالشعارات الناعمة، بل بإنتاج معرفة دينية عميقة، وبفتح نقاشات جريئة حول قضايا الاندماج، والهوية، والتحولات القيمية، وأزمات الشباب المسلم في أوروبا، وتصاعد الإسلاموفوبيا، وتحديات التفكك الأسري والثقافي. أما الاكتفاء بخطاب أخلاقي عام عن “الحب والتسامح” دون أدوات تحليل أو مشاريع ميدانية مؤثرة، فهو أقرب إلى الوعظ الاستهلاكي منه إلى العمل العلمي الرصين.
الأخطر من ذلك أن عدداً من الوجوه التي تُقدَّم داخل هذه المؤسسات بصفتها “علماء” لا تكاد تُعرف لها مساهمات فكرية أو اجتهادات علمية ذات قيمة، لا داخل المغرب ولا خارجه. فلا كتب مؤثرة، ولا أبحاث أكاديمية مرجعية، ولا حضور فكري حقيقي في النقاشات الكبرى التي يعرفها العالم الإسلامي والغرب معاً. وكأن صفة “العالم” أصبحت تُمنح داخل هذه الدوائر بمنطق التزكية التنظيمية والعلاقات المؤسساتية، لا بمنطق الإنتاج العلمي والكفاءة المعرفية.
إن أزمة هذه المجالس ليست فقط في ضعف مردوديتها، بل في طبيعة النموذج الذي تمثله؛ نموذج يقوم على إعادة تدوير الخطاب الرسمي نفسه، مع الحرص على إنتاج تقارير مطولة هدفها الأساسي تبييض الصورة وإعطاء الانطباع بوجود “دينامية علمية”، بينما الواقع يكشف هشاشة فكرية وعجزاً عن التأثير. إنها مؤسسات تتحدث كثيراً عن “التأطير” لكنها عاجزة عن تأطير حتى النقاشات الفكرية الأساسية داخل الجاليات المغربية.
وفي زمن أصبحت فيه المعرفة تقاس بالأثر والإنتاج والقدرة على اقتراح الحلول، لم يعد مقبولاً استمرار صرف الأموال العمومية على هياكل لا تقدم للمغاربة في الداخل والخارج سوى بيانات مناسباتية ولغة خشبية مكررة. فالمؤسسات الدينية الجادة تُقاس بما تنتجه من أفكار، وما تفتحه من آفاق، وما تبنيه من وعي، لا بعدد الاجتماعات والتقارير والعبارات المنمقة حول “السماحة” و”الفطرة” و”العيش المشترك”.
لقد صار من الضروري فتح نقاش حقيقي حول جدوى هذه المجالس، وحول معايير اختيار أعضائها، وحول طرق تمويلها وتقييم أدائها. لأن أخطر ما يمكن أن يصيب العمل الديني والفكري هو أن يتحول إلى مجرد واجهة بيروقراطية تستهلك المال العام دون أن تنتج فكراً أو معرفة أو أثراً مجتمعياً حقيقياً.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك