بقلم:نعيم بوسلهام
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في يناير 2026، عن إطلاق مبادرة دولية جديدة تحت اسم “مجلس السلام”، وذلك من منصة المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس، في خطوة تعكس تحوّلًا نوعيًا في مقاربة واشنطن لإدارة النزاعات الدولية، خصوصًا في الشرق الأوسط. المبادرة، التي قُدّمت بوصفها إطارًا أكثر مرونة وفعالية من المنظمات الدولية التقليدية، تهدف إلى دعم جهود السلام، وإدارة ما بعد الصراعات، وإعادة الإعمار، مع تركيز أولي واضح على غزة والقضية الفلسطينية.
من الأمم المتحدة إلى “مجالس موازية”: لماذا مجلس السلام؟
يأتي تأسيس مجلس السلام في سياق تآكل الثقة الأمريكية في فعالية المنظمات متعددة الأطراف، وعلى رأسها الأمم المتحدة، التي باتت – من وجهة نظر واشنطن – رهينة التعطيل السياسي وتوازنات الفيتو. ومن ثم، يبدو المجلس الجديد محاولة لإنتاج آلية دولية انتقائية، تجمع بين النفوذ السياسي، والقدرة المالية، والجاهزية الميدانية، بعيدًا عن البيروقراطية الأممية الثقيلة.
هذا التوجه ينسجم مع فلسفة ترامب السياسية القائمة على البراغماتية الصلبة: السلام لا يُدار بالخطابات، بل بالأموال، والتحالفات، والضغط المباشر على الفاعلين الإقليميين. لذلك، لم يكن غريبًا أن تُربط مهام المجلس في مرحلته الأولى بإعادة إعمار غزة، وضبط مرحلة “ما بعد الحرب”، بدل الخوض مباشرة في الحلول النهائية للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
القضية الفلسطينية: سلام بالإدارة لا بالحل؟
رغم أن الخطاب الرسمي للمجلس يؤكد دعمه للسلام وحل النزاعات، فإن المقاربة المطروحة للقضية الفلسطينية توحي بتركيز على إدارة الصراع بدل حله جذريًا. فالمجلس يسعى، وفق ما رشح من معطيات أولية، إلى تثبيت الاستقرار، ومنع الانفجار، وإعادة الإعمار، دون الاصطدام المباشر بجوهر الإشكال: الاحتلال، والحدود، والقدس، وحق العودة.
غير أن إدماج دول عربية وازنة في هذا الإطار يمنح المبادرة هامشًا سياسيًا أوسع، وقدرة – إن أُحسن توظيفها – على إعادة الاعتبار للبعد العربي في أي تسوية مستقبلية، ولو بشكل تدريجي.
لماذا دُعيت دول عربية دون أخرى؟ منطق الانتقاء والتحالف
يثير تشكيل مجلس السلام تساؤلات حادة حول معايير الدعوة، خاصة في العالم العربي. فالدول التي وُجهت إليها الدعوة – المغرب، مصر، الإمارات، قطر، السعودية، الأردن – تشترك في ثلاثة محددات أساسية:
الانخراط المباشر في ملفات الوساطة أو الاستقرار الإقليمي
علاقات استراتيجية مع واشنطن
قدرات مالية أو دبلوماسية أو أمنية قابلة للتوظيف
ولا يمكن فصل هذا الانتقاء عن اتفاقيات أبراهام، التي شكّلت أرضية سياسية جديدة للتعاون بين الولايات المتحدة وبعض الدول العربية وإسرائيل. فالدول الموقّعة أو المنخرطة في مناخ هذه الاتفاقيات تُنظر إليها كشركاء “موثوقين” في إدارة مرحلة ما بعد النزاعات.
في المقابل، فإن غياب دول أخرى، وعلى رأسها الجزائر، يعكس اختيارات استراتيجية واضحة، تقوم على استبعاد الأطراف التي لا تنخرط في هذا التصور أو لا تملك وزنًا عمليًا في ملفات الإعمار والوساطة.
الأدوار المتوقعة من الدول العربية داخل المجلس
من المنتظر أن تُسند لكل دولة عربية منخرطة أدوار محددة، وفق نقاط قوتها:
مصر: دور أمني–سياسي محوري، بحكم الجوار الجغرافي لغزة، والتحكم في معبر رفح.
قطر: الوساطة السياسية والتمويل الإنساني، واستثمار علاقاتها مع الفصائل الفلسطينية.
الإمارات: التمويل وإعادة الإعمار، وتقديم نموذج “السلام الاقتصادي”.
السعودية: الغطاء السياسي والرمزي العربي والإسلامي، وضبط التوازن الإقليمي.
الأردن: إدارة الملفات الحساسة المرتبطة بالقدس والوصاية الهاشمية.
المغرب: عضو مؤسس ودور يتجاوز الجغرافيا
يبرز المغرب كحالة خاصة داخل مجلس السلام، ليس فقط لانضمامه، بل لكونه أول دولة توقّع رسميًا على الميثاق التأسيسي، بقيادة الملك محمد السادس . هذا المعطى يمنح المملكة صفة العضو المؤسس، بما يرافقها من امتيازات سياسية وتأثير في توجيه بوصلة المجلس.
يستند الدور المغربي إلى عناصر قوة متعددة:
شرعية دينية من خلال رئاسة لجنة القدس.
رصيد دبلوماسي تراكمي في الوساطات الهادئة والمتوازنة.
موقع جيوسياسي يربط إفريقيا بالعالم العربي وأوروبا.
صورة دولية كفاعل عقلاني غير صدامي.
ومن هذا المنطلق، يمكن للمغرب أن يلعب دور الوسيط الأخلاقي والسياسي داخل المجلس، بما يضمن عدم اختزال القضية الفلسطينية في بعدها الإنساني أو الأمني فقط، والدفع نحو مقاربة تحترم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
مجلس السلام… فرصة أم إعادة إنتاج للهيمنة؟
يمثل مجلس السلام محاولة أمريكية لإعادة هندسة النظام الدولي لإدارة النزاعات، خارج الأطر التقليدية. وبينما يحمل المشروع فرصًا حقيقية لتحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار، فإنه يظل محفوفًا بمخاطر تحويل السلام إلى عملية تقنية تُدار بالمال والتحالفات.
في هذا السياق، يكتسب الدور المغربي أهمية خاصة، ليس فقط كعضو مؤسس، بل كفاعل قادر على إعادة التوازن بين الواقعية السياسية والعدالة التاريخية. فنجاح المجلس، أو فشله، سيقاس بمدى قدرته على الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها، وفي القلب منها القضية الفلسطينية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك