من إعداد: محمد الدفيلي ومصطفى ياداين
ملخص:
تُعد التجربة الدستورية في إيران من أكثر التجارب فرادة في العالم الإسلامي، إذ بدأت مع دستور المشروطية لسنة 1906 في عهد القاجاريين، الذي جاء استجابة لاحتجاجات اجتماعية ضد الاستبداد والنفوذ الأجنبي، فأسس لمجلس شورى وقيّد نسبيًا سلطات الشاه مع منح رجال الدين موقعًا مؤثرًا. غير أن التجربة تعرضت لانتكاسات متتالية، سواء في نهاية العهد القاجاري أو خلال حكم البهلويين، حيث تحولت الملكية إلى سلطة مطلقة مدعومة من القوى الأجنبية، ما أدى إلى تنامي المعارضة السياسية والدينية وانفجار ثورة 1979.
أفرزت الثورة دستورًا جديدًا (1979/1989) أقام نظامًا جمهوريًا إسلاميًا قائمًا على ولاية الفقيه، التي منحت المرشد الأعلى صلاحيات واسعة تشمل الإشراف على السلطات الثلاث وتعيين كبار المسؤولين. ورغم وجود مؤسسات منتخبة كالرئاسة والبرلمان، فإن مجلس صيانة الدستور يتحكم في العملية التشريعية والانتخابية، مما يثير جدلاً حول حقيقة الديمقراطية الإيرانية. وهكذا، فإن الدستورانية الإيرانية انتقلت من هيمنة "التاج" إلى هيمنة "العمامة"، لتشكل نموذجًا خاصًا يجمع بين المرجعية الدينية وبعض الآليات الديمقراطية الشكلية دون تحقيق فصل حقيقي للسلطات.
Abstract
The constitutional experience in Iran stands out as one of the most distinctive in the Islamic world. It commenced with the Constitutional Revolution of 1906 under the Qajar dynasty, emerging in response to social protests against authoritarianism and foreign influence. The constitution established a National Consultative Assembly, relatively curtailed the Shah’s authority, and conferred a significant role upon the clergy. Nevertheless, the experiment underwent successive setbacks, both in the late Qajar period and during the Pahlavi era, when the monarchy evolved into an absolute rule backed by foreign powers. This dynamic fueled political and religious opposition, ultimately culminating in the 1979 Revolution.
The Revolution gave rise to a new constitution (1979/1989) that established the Islamic Republic, founded on the principle of Velayat-e Faqih (Guardianship of the Jurist). This principle vested the Supreme Leader with extensive powers, including supervision over the three branches of government and the appointment of senior officials. Despite the presence of elected bodies such as the presidency and parliament, the Guardian Council exercises decisive control over both the legislative process and electoral competition, thereby raising critical questions about the authenticity of democracy in Iran. Consequently, Iranian constitutionalism has shifted from the dominance of the “crown” to that of the “turban,” producing a unique model that fuses religious authority with formal democratic mechanisms, yet without achieving a genuine separation of powers.
مقدمة عامة:
تعرف الدستورانية بكونها " آليات تسمح بميلاد نسق فعال للكوابح يهم العمل الحكومي من خلال توزيع السلط " أو " مجموعة من القواعد التي تضمن المنافسة السلمية وتقر بمسؤولية الحكومة " في حين يحيل الدستور إلى وجود فكرة سياسية لدى أطراف اللعبة تترجم داخل نص قانوني يحدد قواعد اشتغال التنظيم السياسي، فالنص الدستوري هو عبارة عن مجموعة من المساطر والآليات المؤطرة للمنافسة السلمية من أجل ممارسة السلطة.
فالدستور كنتاج " للعقد " بين مكونات المجتمع السياسي و بين الدولة و المواطن, يحمل مشروعا سياسيا و آليات لإنتاج القانون و تطبيقه و يكون نتاجا للحظات سياسية متباينة و يروم الى تنظيم السلطة العامة واحترام الحقوق و الحريات, مما يجعل من الدستور نتاج عمل أطراف توافقت على صك لقواعد ممارسة السلطة على اساس ضمانات متبادلة للمصالح الحيوية, حيث الكتابة تهدف الى تسهيل عملية الحجة و ضمانا لعدم اليقينية و حماية من التحكمية.
التطور التاريخي.
تحتم علينا الدراسة العلمية لموضوع الدستورانية في ايران استحضار التراكمات التاريخية للدولة الإيرانية بتعاقب الاسر الحاكمة لها من جهة، و أيضا البعد الجغرافي من توسع و من تقلص لهذه الدولة من جهة ثانية، فضلا عن البعد الاثني داخلها من جهة ثالثة والبعد الديني من جهة رابعة.
منذ أن بدأت الفتوحات الإسلامية نحو بلاد فارس عن طريق الحدود العراقية في عام (12 ه/ 632 م)وبأمر من الخليفة أبي بكر الذي ولى خالد بن الوليد قائدًا لأول الجيوش المسلمة في حربها مع الحكومة الساسانية. واستمرت الفتوحات حتى عام ( 31 ه / 651 م) في زمن الخليفة عثمان والتي انتهت بمقتل آخر ملوك الفرس الساسانيين يزدجرد الثالث، وفيها تمت السيطرة الإسلامية على الأراضي الإيرانية بالكامل.عرفت صعود وسقوط عدة اسر حاكمة، وما يهمنا في هذه الدراسة هي فترة الاسرة القاجارية ما بين 1796 الى 1925 وخاصة منها الفترة الممتدة ما بين 1896 الى 1925، ثم انقلاب "حوت" في 21 فبراير 1921 و ما تلاه من قيام حكم الاسرة البهلوية ،ثم فترة ما بعد الانقلاب على النظام الملكي منذ 1979.
حيث يوصف النظام السياسي الإيراني الحالي أنه جمهورية صعبة، وهذا راجعٌ أساسًا إلى حالة الغموض التي تكتنف عملية صنع القرار فيه، وكذا التداخل بين عدد كبير من المؤسسات والبنى التقليدية والحديثة، الرسمية وغير الرسمية في هذه العملية. غير أ ن ما يميز إيران كدولة أنها كانت أول بلاد إسلامية تعرف تجربة دستورية حديثة (1906) بعد نضال وثورة قام بها الإيرانيون، وعلى هذا يعتبر الدستور أو المشروطة كما يسميه الإيرانيون جزء لا يتجزأ من ثقافتهم وتاريخهم النضالي اللذان يفتخران بهما.
تحديد المفاهيم.
ستعترضنا في هذه الدراسة للتجربة الدستورية الإيرانية مجموعة من المفاهيم التي ارتأينا ضرورة شرحها قبل الغوص في الموضوع.
أولا : جغرافية الدولة المدروسة كانت تتعدى الحدود المتعارف عليها حاليا بل تظم في ثناياها عدة دول حالية مثل أفغانستان و تركستان و جورجيا و ارمينا وغيرها ولم تكن تدعى بالدولة الإيرانية بل كانت تسمى ببلاد فارس.
ثانيا: نظام حكم هذه الدولة بحكم شساعة المناطق التابعة لها فكان عبارة عن حكم امبراطوري مع الاسرة القاجارية ، ثم تسمى بالملكية مع رضا خان ،ليستعيد محمد رضا خان بهلوي لقبا قديما لملوك ايران و يتسمى بالشاهنشاه و التي تعني ملك الملوك، ولكن مع تقلص مساحة الدولة من جهة و الإطاحة بالنظام الملكي من جهة أخرى اصبح الان عبارة عن نظام جمهوري ولو نظريا.
ثالثا: الدين، فالإسلام هو الدين الرسمي للدولة من الفتح الإسلامي لبلاد فارس، الا ان مذهبا من مذاهب الشيعة هو الذي اضحى المهيمن بحيث لم يكن التشيع فكراً دخيلاً أو غريباً على الإيرانيين بعد ظهور الدولة الصفوية، بل كانت له جذور تاريخية منذ دخول الإسلام إليها، وصولا للصفويين. وما يجدر ذكره هو أن التشيع بكل تياراته وفرقه كان حاضرا في الساحة الإيرانية، وما تم إعلانه رسميا في زمن الصفويين هو التشيع الإمامي الاثني عشري.. مع تأسيس الدولة الصفوية في عام (907 ه / 1501 م) على يد الشاه إسماعيل الصفوي أول ملوكها، في مدينة تبريز الإيرانية، والتي أعلن فيها عن المذهب الشيعي الإمامي الاثني عشري مذهبا رسميا للدولة.
رابعا: مسألة الإمامة و الغيبة وولاية الفقيه، فاذا كانت الامامة عند المسلمين سواء السنة منهم او الشيعة فيها كلام كثير، الا ان الشيعة يحسمون هذا الحديث بالإمامة في نسل علي ابن ابي طالب و التي عرفت شيئا من الغموض مع غيبة الامام الثاني عشر ( محمد بن الحسن المهدي) و التي تسمى بالغيبة الكبرى التي و التي أدت بالفكر الشيعي الى تبني فكرة الولاية النائبة للإمام الغائب والتي تطورت الى ولاية الفقيه التي اخرجها الى ممارسة السلطة الخميني بثوره ضد نظام الشاه محمد رضا بهلوي.
و الجذير بالذكر الى ان فكرة قيام رجال الدين بأمور السلطة في ايران عرفت انتقادات منذ بداية الثورة بقيادة الخميني و للتوسع في هذا الموضوع نقترح الرجوع الى كتاب " نقد ولاية الفقيه" لمؤلفه محمد عال الله ، و أيضا كتاب " ايران ما بين التاج و العمامة " لمؤلفه أحمد مهابة.
أهمية الموضوع.
تتجلى أهمية الموضوع في تفرد التجربة الدستورية الايرانية عن ما هو موجود في المنطقة من حيث المنطلقات و من حيث الأهداف مع خصوصية لا ينكرها أحد تمثلت في محاولة خلق نموذج دستوري متفرد عن ما هو سائد يأخذ من التجربة الغربية و يحاول ايجاد تقاطعات مع التراث الديني الاسلامي و خاصة الشيعي في محاولة لإنتاج أنموذج متفرد يراعي خصوصية الشعب الايراني من حيث تمسكه بأصوله مع بحثه عن سبل التطور و التحديث.
الإشكالية.
إلى أي حد مثّلت التجربة الدستورية في إيران، منذ دستور 1906 إلى دستور الجمهورية الإسلامية، انتقالًا حقيقيًا نحو بناء نظام دستوري ديمقراطي، أم أنها أعادت إنتاج الاستبداد في صيغ متباينة بين التاج والعمامة؟
لمحاولة الإحاطة بهذه الإشكالية؛ يمكن طرح التساؤلات التالية:
· ما هي العوامل التي ساهمت في بروز دستور المشروطية سنة 1906؟
· كيف تعاملت الملكية البهلوية مع الدستور، وهل ساهمت في تكريسه أم في تقويضه؟
· كيف كرس دستور 1979 مبدأ ولاية الفقيه، وما انعكاس ذلك على توزيع السلط؟
· ما دور مجلس صيانة الدستور في تحديد حدود الممارسة الديمقراطية في إيران؟
· هل يمكن اعتبار التجربة الإيرانية تحولًا ديمقراطيًا أم نموذجًا ثيوقراطيًا مقنّنًا؟
الفرضيات:
تنطلق الدراسة من فرضية رئيسية مؤداها:
رغم الانتقال من الملكية القاجارية والبهلوية إلى الجمهورية الإسلامية، فإن الدستورانية الإيرانية لم تؤسس لنظام ديمقراطي فعلي، بل أعادت إنتاج الاستبداد عبر هيمنة ولاية الفقيه، مما يجعل التجربة أقرب إلى نموذج ثيوقراطي خاص منها إلى ديمقراطية دستورية.
المناهج المستعملة.
لسبر أغوار هذا الموضوع الشائك و المعقد سنعمل على الاعتماد أساسا على المنهج التاريخي لتتبع أهم التطورات التي عرفها النظام السياسي الايراني و رصد أهم المحطات المفصلية في حياة الشعب الايراني كما أننا سنكون ملزمين باستعمال المقاربة المعيارية لدراسة الوثائق الدستورية المتوفرة بين أدينا طبعا مع الاستعانة بالمقترب السياسي للمزيد من التعمق في محاولتنا سبر أغوار هذه التجربة الدستورية المتفردة.
و للإجابة عن الاشكالية المطروحة سنعتمد على تقسيم الموضوع الى محورين رئيسيين الأول سنتناول فيه أولى الارهاصات الدستورانية الإيرانية و في المحور الثاني سنتطرق الى دستور الجمهورية الاسلامية.
المبحث الاول: ارهاصات الدستورانية الإيرانية
المبحث الثاني: دستور الجمهورية الاسلامية.
***********
المبحث الاول: ارهاصات الدستورانية الإيرانية
لقد عرفت ايران حركة دستورية في أواخر العهد القاجاري و التي امتدت مع فترة العهد البهلوي، هذه الحركية التي ساهمت فيها عدة فئات من المجتمع الإيراني والتي كان ابرزها رجال الدين. وهكذا سنتطرق في مطلب اول الى الحركة الدستورانية في العهد ا القاجاري و في مطلب ثان الى الدستور في العهد البهلوي.
مطلب اول : الحركة الدستورانية في العهد القاجاري
حتى نفهم سياقات ظهور الحركة الدستورية الإيرانية، يجب علينا استحضار تلك التراكمات الثقافية و الحضارية للإمبراطورية الفارسية التي كانت تسيطر وليس فقط على ايران الحالية بل تتعداها الى جورجيا وما وراء نهر جيحون وغيرها من الأراضي الشاسعة شانها شان باقي الامبراطوريات آنذاك.
كما لا نغفل الفترة التاريخية التي عرفها العالم مع بداية القرن العشرين والتوسع الامبريالي وما رافقه من حركات تحررية.
فقرة1: سياقات ظهور دستور المشروطية
ترجع الكتابات الإيرانية وغيرها ان اول دستور للإمبراطورية القاجارية يعود الى سنة 1906 و الذي سمي بدستور المشروطية، نسبة الى الظروف الاجتماعية و السياسية الداخلية و أخرى خارجية التي كانت وراء إيجاد هذا الدستور.
مع ازدياد النفوذ الأجنبي في البلاد الإيرانية وذلك بالاستعانة بالخبراء الأجانب و منح الامتيازات للدول الأجنبية فضلا للتفاوتات الطبقية في المجتمع .، التي أدت الى عدة مظاهر احتجاجية في مناطق عدة في ايران ابرزها "الهجرة الصغرى" و تسمى أيضا بواقعة مسجد شاه، و حادثة "الهجرة الكبرى" .كل هذه الاحداث و غيرها من العوامل أدت بمظفر الدين شاه الى الاستجابة الى مطالب الحركات الاحتجاجية، لكنه سرعان ما تراجع عن تنفيذ وعوده الشيء الذي دفع الى تأزم الأوضاع في عموم البلاد ولم تشمل فقط العاصمة هذه المرة. والتي استجاب اليها الشاه هذه المرة بإصداره لفرمان( مشروطيت ايران= الحقوق الدستورية) في 6 غشت 1906.
وهكذا تم افتتاح اول مجلس للشورى الوطني بتاريخ 7 نونبر 1906،والذي قام بصياغة القانون الأساسي(الدستور) والذي حدد صلاحيات الجمعية الإيرانية و التصويت عليه وقدم الى مظفر الدين شاه الذي صادق ليه بدوره بتاريخ 30 دجنبر 1906.
الا ان المرض عجل بوفاة مظفر الدين شاه وتولي ابنه محمد علي شاه عرش السلطنة 20يناير 1907 الذين كان يتحين الفرصة من اجل اطلاق يده الطولة في البلاد الرجوع الى الحكم المطلق، مستغلا محاولة اغتياله في 15 شباط 1908 التي نجا منها بأعجوبة، الشيء الذي شجعه للانقلاب على الدستوريين بقصف بناية المجلس بالقنابل بعد حله و تم اعتقال و اعدام عدد كبير من الدستوريين.
على اثر ذلك تأججت الأوضاع في البلاد الى ان تم اسقاط النظام السياسي الإيراني يوم 13 يوليوز1909 حيث لجأ الشاه الى المفوضية الروسية في ايران وبعدها مغادرة ايران الى روسيا وتم اسند العرش القاجاري الى ابنه احمد شاه و الذي عرفت فترته تدخلات كثيرة للقوى الأجنبية.
فقرة 2: دستور المشروطية
بالرجوع الى وثيقة الدستور الإيراني لسنة 1906 و المسمى بالمشروطية –الذي حاولنا ترجمة وثيقته الإنجليزية الى اللغة العربية- فانه يتألف من 51 مادة ،حيث نص على إقامة نظام حكم برلماني في البلاد أساسه مجلس النواب، وحدد الدستور مدة انعقاد كل مجلسين بسنتين. وقد منح الدستور مجلس النواب المصادقة على او رفض او تعديل جميع القوانين و الامتيازات والقروض وميزانية الدولة وأصبحت الوزارة مسؤولة امام المجلس. لكن الدستور منح الشاه في الوقت نفسه امتيازات مهمة بوصفه رئيسا للدولة، ومنها القيادة العليا للقات المسلحة وحق تعيين نصف أعضاء المجلس الأعلى في البرلمان، أي مجلس الشيوخ الذي تقرر ان يتألف من ستين عضوا.
وتجدر الإشارة الى ان الدستور الإيراني ضمن مصالح رجال الدين بعد ان نص على تأليف لجنة خماسية عليا من المجتهدين مهمتها النظر في كل تشريع جديد يصدره المجلس الإيراني قبل ان يتخذ الصيغة النهائية للتصويت عليه بخصوص مطابقته مع الاحكام الشرعية و الإسلام.
هذا الدستور الذي حاول واضعوه ان يضعوا فيه حدودا للحكم الانفرادي المطلق أواخر عهد الاسرة القاجارية سيعرف انتكاسات متفاوتة مع العهد البهلوي.
مطلب ثان: الدستور في العهد البهلوي
بالرغم من انقلاب "حوت" في 21 فبراير 1921 الا ان العهد القاجاري لم ينتهي في هذا التاريخ بل استمر الى أواخر سنة 1925 بعدما اقر المجلس النيابي انهاء الحكم القاجاري و تفويض مهام الحكم مؤقتا لرضا خان.الذي حاول نهج مجموعة من الإصلاحات متأثرا بالأنظمة الغربية و أيضا بالنظام الكمالي، لكن سرعان ما أخفقت إصلاحات رضا خان وتم نفيه، و خلفه نجله محمد رضا الذي لم يكن قد بلغ بعد سن الاثنين و العشرين عاما بعد، بدعم من الاتحاد السوفياتي و بريطانيا و الولايات المتحدة الامريكية. ولم تكن الجماهير راضية عنه ملكا للبلاد.
فقرة 1:حكم رضا بهلوي.
بعد ان استقر الامر لرضا خان، دعا لإجراء انتخابات نيابية لمجلس تأسيسي و التي مرت بسرعة الشيء الذي جعل بعض منتقديها يشككون في العملية الانتخابية أصلا و لا يقرون بإمكانية هذا البرلمان تغيير مواد الدستور، ومع اقتراب افتتاح الدورة الخامسة للمجلس النيابي، تعالت عدة أصوات منادية بتغيير نظام الحكم في ايران في تأثر كبير بما وقع في الجارة تركيا.
تم تحديد 21 مارس 1925 لاجتماع مجلس النواب للنظر في مسالة نظام الحكم و البث النهائي فيه، الا ان هذه المسالة لم تحسم بشكل عادي بل اثارت عدة مشاحنات و تطاحنات بل اكتشفت فيها تدخلات اجنبية من الجانب السوفياتي و البريطاني من جهة ،و من جهة أخرى تدخل رجال الدين في محاولة منهم حسم هذا النقاش و الذي اتسع مع تقديم رضا خان استقالته الى البرلمان واخطار قادة الجيش بتنحيه من منصب سردار، الا ان استقالته لم تقبل لا من طرف الجيش ولا من اغلب نواب البرلمان ولا من طائفة واسعة من الشعب .وبعد ستة أيام من البحث و النقاش صوت الجميع على منح الحكم لرضا خان ليصبح شاها على ايران، وحصر هذه السلطة بين افراد عائلته وذلك بتاريخ 12 دجنبر 1925،واقر هذا القانون بتاريخ 15 من نفس الشهر و السنة، في حين جرت حفلة التتويج في قصر كلستان بطهران يوم 4 أبريل 1926 مع صلاحيات جد واسعة ،و بالتالي حسمت مسالة نظام الحكم في ايران.
لقد حاول رضا خان النهوض بإيران الى مصاف الدول الحديثة آنذاك، ومن ابرز الإجراءات التي قام بها الإصلاح الزراعي و تغيير للباس الرجال و للنساء على الخصوص ( الغاء الحجاب/الشادور)، وتغيير اسم المملكة من مملكة فارس الى مملكة ايران. الا ان هذه الإصلاحات التي حاول وضعها من فوق لم ترق الشعب الإيراني وخاصة فئة رجال الدين، فضلا على الاطماع الخارجية التي عجلت بإبعاده عن السلطة، ونُفي عام 1941 إلى الهند ومنها إلى موريشيوس وبعدها إلى جنوب أفريقيا حيث توفي هناك لكنه دفن في المسجد الرفاعي في القاهرة، ثم نُقل رفاته إلى إيران عام 1950 بعد استقرار الوضع لمصلحة ابنه في السلطة وانتهاء الاضطرابات الداخلية.
فقرة 2: حكم محمد رضا بهلوي.
لم تكن الظروف التي اعتلى فيها محمد رضا شاه بهلوي العرش افضل من سابقيه، حيث ابتدأ المجلس النيابي بتصفية حسابات عهد رضا خان وعدة اعمال أخرى.
استطاعت الشاهنشاهية البهلوية الحفاظ على الدستور الذي يعطيها صلاحيات واسعة ولا يُخضعها للمساءلة أو المحاسبة، إلى الفترة التي جاءت بمحمد مصدق الذي فرضته صناديق الاقتراع والحراك السياسي عام 1951 رئيساً للوزراء، الذي بدأ بعد يومين من حصوله على ثقة البرلمان بإعلان تأميم النفط، في 1 ماي نفس السنة ،وفتح جبهة لانتزاع صلاحيات دستورية من الشاه وإعادتها إلى سلطة رئيس الوزراء. إلا أن الأمور تطورت وصولاً إلى خروج الشاه محمد رضا بهلوي من إيران إلى إيطاليا عبر العراق، وبدء التحضيرات الأميركية والبريطانية للانقلاب عليه في الشارع، وصولاً إلى عزله في 19 غشت 1953 وفرض الإقامة الجبرية عليه. الأمر الذي أعاد الشاه إلى إيران، وهذه المرة بصلاحيات مطلقة من دون أي صوت معارض، لتبدأ معه مرحلة التحكم الملكي بالدستور حيث انتقلت سلطات الشاه إلى مرحلة السلطة المطلقة التي لا تراعي الدستور، وأصبح الجهة التي تتحكم بتعيين رئيس الوزراء مباشرة، مع الاحتفاظ على الشكل البرلماني لاختياره ومنحه الثقة.
الصلاحيات المطلقة للشاه محمد رضا ما بعد 1953 والقضاء على حركة مصدق، وتسليم الأمور إلى جهاز الاستخبارات الإيرانية، السافاك، بالتعاون مع جهاز الاستخبارات الأميركية، "سي آي أي"، إضافة إلى استمرار السياسات الاقتصادية والإنمائية غير المدروسة والفاشلة في كثير من الأحيان، انتهت إلى تحريك المؤسسات الدينية والمدنية والسياسية الوطنية ضده، خصوصاً في مسألتين أساسيتين، الأولى منح المستشارين الأمريكيين الحصانة القضائية على الأراضي الإيرانية، والثانية الثورة البيضاء والإصلاحات الزراعية التي أقرّها والتي استثارت واستنفرت هذه المرة الإقطاعيين الذين تحالفوا مع المؤسسة الدينية التي رأت في هذه الإصلاحات تهديداً لمصالحها، ما مهّد الطريق إلى تحرك شعبي تقوده هذه المرة المؤسسة الدينية، وتبلورت في أحداث يونيو 1963 وانتهى إلى اعتقال رجل الدين المعارض السيد الخميني والحديث عن إمكانية إعدامه، ما دفع كبار فقهاء ومراجع الحوزة الدينية في مدينة قم إلى إصدار بيان اعتبروا فيه الخميني من الشخصيات العلمية الحائزة درجة المرجعية، فقُطع الطريق على إعدامه وأُجبر الشاه وأجهزته على إبعاده إلى تركيا التي انتقل منها إلى الحوزة الدينية في مدينة النجف العراقية.
تجدر الإشارة الى ان فترة محمد رضا بهلوي ،عرفت اخذ وجذب مع عدة قوى داخلية في ايران، بدءا مع حركة مصدق وحزب تودا الشيوعي، و المؤسسة الدينية التي كانت لها مكانة في البنية الدستورية الإيرانية حيث كان يتمتع خمسة من رجال الدين الحاصلين على درجة اية الله بمراقبة شرعية القرارات الصادرة عن المجلس النيابي.
كما وجبت الإشارة الى ان في فترته أيضا عرفت اطلاق اليد الطولة لجهاز السافاك (الاستخبارات)،و محاولة خلق أحزاب تدور في فلك السلطة ولكن صراعاتها عجلت باتخاذ الشاه قرار حل جميع الأحزاب و الدعوة الى تأسيس حزب وحيد، وهكذا تم تأسيس حزب رستاخير (النهضة) الموحد في 1975.
كل هذه الضغوط الداخلية و الخارجية ساهمت بشكل او باخر الى انهاء الحكم الملكية في ايران بإسقاط اخر اسرة حاكمة في سنة 1979 و بدء عهد نظام حكم جديد اقرب ما يكون ثيوقراطي.
المبحث الثاني : دستور الجمهورية الاسلامية الايرانية
بني النظام السياسي في ايران بعيد اعلانها جمهورية اسلامية عام 1979 عندما تمكن علماء الدين و القوى السياسية المعارضة من هزيمة نظام الشاه محمد رضى بهلوي, لقد يني هذا النظام الجديد على الاسس التي تضمنها كتاب الامام روح الله الخميني " الحكومة الاسلامية ".
لقد طرح الامام الخميني افكاره عن الجمهورية الاسلامية أثناء وجوده في النجف لاجئا سياسيا و سعى الى اقامة الجمهورية عبر ثورة شعبية قادها علماء الدين بحيث تفكك جهاز المخابرات القوي عبر المظاهرات و العصيان المدني هذه الحركة تمكنت خلال بضعة ايام من شهر فبراير 1979 من دفع الشاه محمد رضى بهلوي الى التنازل عن السلطة و مغادرة البلاد للعيش لاجئا بالمغرب رفقة اسرته بقرار من الراحل الحسن الثاني ليعود الامام الخميني من منفاه الفرنسي الى طهران و يتسلم السلطة ليقيم الجمهورية الاسلامية في الحادي عشرة من فبراير 1979 .
في 03 غشت 1979 اختار الشعب الايراني مجلسا للخبراء من 73 خبيرا لوضع الدستور الجديد و انجز العمل في 15 نونبر 1979 ثم طرح المشروع على الاستفتاء الشعبي بعد امضائه من قبل الامام الخميني .
اعيد النظر في الدستور الايراني بعد عشر سنوات من وضعه بواسطة لجنة من الخبراء بتاريخ 08 يوليوز 1989 و ذلك قبل رحيل مؤسس الجمهورية الاسلامية الايرانية فأمضاه أيضا ووافق عليه الشعب باستفتاء عام بعد شهر من الزمن .
مطلب اول : قراءة في شكل دستور الجمهورية الاسلامية الايرانية.
يقع الدستور الايراني في مقدمة و 14 فصلا يحتوي على 177 مادة كان قبل التعديل يتألف من 12 فصلا و 175 مادة.
يتألف الفصل الاول من دستور الجمهورية الاسلامية الايرانية من المواد من 1 الى 14 و يحتوي الاصول العامة بنية الدولة الاسلامية النظام جمهوري اسلامي قائم على مبادئ التوحيد, العدل, النبوة, الامامة و المعاد. كما تؤكد مواد هذا الفصل على حرية و كرامة الانسان و اجتهاد الفقهاء من القرآن و سنن المعصومين و الغاء أي نوع من الظلم, و رفض الخضوع اليه و اقامة العدل في المجتمع في ضل الاستقلال السياسي و الثقافي ضمن وحدة المجتمع الاسلامي الذي يناط بحكومة أهداف خلق مجتمع صالح.
الفصل الثاني ويتضمن لغة الدولة و الكتابة و التاريخ المواد من 15 الى 18.
الفصل الثالث يتضمن حقوق الشعب الايراني و يؤكد على تساوي هذه الحقوق بين جميع افراد الشعب بقومياته المختلفة الغاء اي تمييز بسبب القومية او العرق او اللغة او اللون من المواد 19 الى 18 .
الفصل الرابع يتضمن الاقتصاد و الشؤون المالية, الاستقلال الاقتصادي مكافحة الفقر تأمين وسائل العمل عدم حصر الاقتصاد بالحكومة من المواد 43 الى 54.
الفصل الخامس سيادة الشعب و سلطات الدولة, السلطة التشريعية – السلطة القضائية و اعطاء الحق للولي الفقيه للإشراف على السلطات الثلاث المواد من 56 الى 61 .
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك