فهد الباهي يفضح المستور في ملف الهجرة الجماعية لسبتة وكيف إستفادت إسبانيا

فهد الباهي يفضح المستور في ملف الهجرة الجماعية لسبتة وكيف إستفادت إسبانيا
أقلام حرة / الجمعة 14 غشت 2026 / لا توجد تعليقات: لمجيد

بقلم : فهد الباهي/م.إيطاليا

لم تعد قضية الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة مجرد حادثة عابرة يمكن اختزالها في صور آلاف الشباب وهم يعبرون الحدود، ولا في بيانات رسمية تتبادل فيها الأطراف الاتهامات حول من قصّر ومن سمح ومن استفاد، فالمشهد الذي وقع يستحق قراءة سياسية وأمنية واقتصادية أعمق، لأن السؤال الحقيقي ليس فقط كيف وصل هؤلاء الشباب إلى سبتة، وإنما ماذا حدث لهم بعد ذلك وكيف انتقل جزء منهم من مشهد أزمة حدودية إلى واقع جديد داخل الأراضي الإسبانية.

وهل نحن أمام فوضى غير محسوبة فعلاً أم أمام مسارات كانت بعض الجهات تعرف مسبقاً أنها ستقود إليها، وهذه الأسئلة لا تعني إطلاق اتهامات قطعية إلى دولة أو مؤسسة من دون أدلة قضائية، لكنها تفرض على الجميع فتح نقاش و تحقيق شفاف يكشف الحقيقة كاملة للرأي العام.

إسبانيا التي تظهر أمام العالم وهي تشتكي من ضغط الهجرة الجماعية وتوجه أصابع الاتهام إلى المغرب بسبب مراقبة الحدود، مطالبة اليوم بأن تجيب هي أيضاً عن الأسئلة الصعبة المتعلقة بما يحدث بعد وصول المهاجرين إلى سبتة، فإذا كان الأمر يتعلق بأزمة أمنية وإنسانية طارئة فلماذا يبدو أن مسارات نقل وتسوية أوضاع بعض الوافدين تتحرك بسرعة كبيرة، وكيف يتم الانتقال من حالة شخص دخل في ظروف استثنائية إلى شخص يمكن أن يجد نفسه داخل مدن إسبانية أخرى.

ولماذا لا تقدم مدريد للرأي العام الأوروبي والمغربي كشفاً دقيقاً عن أعداد من غادروا سبتة وأين ذهبوا وما هي الوضعية القانونية التي أصبحوا عليها، فالمسؤولية هنا لا تقع على المغرب وحده لأن الحدود الخارجية لإسبانيا والاتحاد الأوروبي تبدأ من لحظة وصول هؤلاء الأشخاص إلى الأراضي الإسبانية.

ومن هنا يفتح ملف أكثر خطورة يتعلق بما إذا كانت بعض موجات الهجرة قد تحولت إلى ورقة ضغط سياسية متبادلة، خصوصاً في ظل معرفة الجميع بحجم الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها الشباب المغربي، ولذلك فإن فرضية وجود جهات قد تكون حاولت استثمار هذا الوضع أو توجيهه لا ينبغي أن تتحول إلى حقيقة إعلامية من دون تحقيق وأدلة، لكنها في الوقت نفسه لا يجوز أن تكون من المحرمات التي يخشى الإعلام الاقتراب منها، فحين تتكرر الأزمات الحدودية في توقيتات حساسة، وحين تختفي أعداد كبيرة من المشهد الحدودي ثم تظهر في مناطق أخرى، يصبح من حق الرأي العام أن يسأل عن شبكات النقل والإيواء والتوجيه ومن يمولها ومن يملك المعلومات عنها، لأن أخطر ما يمكن فعله هو الاكتفاء بصورة الشاب المهاجر وتحويله إلى متهم بينما يتم تجاهل المنظومة التي قد تكون قادرة على تسهيل حركته بعد وصوله.

والقصة لا تتوقف عند السياسة والأمن.

لأن هناك عاملاً اقتصادياً بالغ الأهمية يجب وضعه فوق الطاولة، وهو حاجة الاقتصاد الإسباني إلى اليد العاملة في قطاعات متعددة، وقد تحدثت مؤسسات ودراسات إسبانية وأوروبية خلال السنوات الأخيرة عن نقص العمالة تصل إلى ستة ملايين شخص..ومخاطر الشيخوخة السكانية، كما أن إسبانيا تسعى إلى تطوير قطاعات صناعية جديدة من بينها السيارات والبطاريات وسلاسل التوريد المرتبطة بالتحول الصناعي والطاقة، ولذلك فإن السؤال المشروع هو هل تنظر بعض الدوائر الاقتصادية إلى المهاجرين باعتبارهم مشكلة فقط أم باعتبارهم أيضاً خزاناً بشرياً يمكن استثماره.

وإذا كانت الشركات تحتاج إلى عمال ذوي خبرة فلماذا لا يكون النقاش صريحاً حول قنوات الهجرة القانونية والتكوين والتشغيل بدل ترك الشباب عرضة لشبكات الهجرة والوعود الغامضة والعمل الهش.

وإذا صحت المعلومات المتداولة حول وجود تسويات واسعة لأوضاع مهاجرين، فإن الحديث عن أرقام ضخمة مثل أكثر من مليون شخص يحتاج إلى تدقيق رسمي مستقل ولا يجوز تقديمه كرقم نهائي من دون وثائق، لكن مجرد النقاش حول تسويات جماعية أو مسارات قانونية واسعة يكشف مفارقة سياسية تستحق المساءلة، فمن غير المنطقي أن تصف دولة الهجرة بأنها أزمة وجودية في خطابها السياسي ثم تعتمد في الوقت نفسه سياسات لاستقطاب اليد العاملة أو تسوية أوضاع أعداد كبيرة من المهاجرين، ولذلك فإن المطلوب ليس شيطنة إسبانيا ولا تجريم المهاجرين.

وإنما كشف المعادلة الاقتصادية الحقيقية التي تجعل أوروبا بحاجة إلى اليد العاملة في الوقت الذي تستخدم فيه الهجرة في الحملات السياسية باعتبارها خطراً أمنياً وديموغرافياً.

أما الجانب المغربي من القضية فهو أشد حساسية، لأن الحديث عن شهادات تثبت خبرات مهنية أو مسارات عمل يجب أن يخضع للتحقيق الصارم إذا كانت هناك بالفعل وثائق تصدر من بعض أعوان السلطة أو جهات محلية دون أساس قانوني، فلا يمكن لعون سلطة أو أي مسؤول إداري أن يمنح شخصاً شهادة خبرة مهنية لمجرد تسهيل ملف هجرة أو تشغيل في الخارج.

وإذا ثبت وجود مثل هذه الممارسات فإن الأمر لا يتعلق بمخالفة إدارية بسيطة وإنما بمساس خطير بمصداقية الوثيقة العمومية وبسمعة الدولة وبحقوق الشباب الذين يسلكون الطرق القانونية، ولهذا يجب فتح تحقيق في مصدر هذه الشهادات وطريقة إصدارها والجهات التي تطلبها والوسطاء الذين يترجمونها والجهات الأجنبية التي تعتمدها، مع حماية كل من يكشف هذه التجاوزات بالأدلة.

وهنا تظهر المعضلة الحقيقية التي لا تريد كثير من الأطراف مواجهتها، وهي أن المغرب لا يستطيع أن يطلب من شبابه البقاء في وطنهم ثم يتركهم أمام أجور لا تواكب الغلاء وارتفاع تكاليف السكن والمعيشة وفرص عمل محدودة أو غير مستقرة، وفي المقابل لا يمكن لإسبانيا أن تشتكي من هجرة الشباب المغربي ثم تبحث عن العمالة الأجنبية عندما تحتاج إليها وتفتح مسارات لاستقدامها، فالشاب الذي يرى فارقاً كبيراً بين دخله المحتمل في المغرب وما يمكن أن يحصل عليه في أوروبا لن تقنعه الخطب الوطنية بسهولة بأن يبقى، ولذلك فإن المعركة الحقيقية ضد الهجرة غير النظامية تبدأ من الداخل عبر تحسين الأجور وتوفير العمل الكريم وربط الامتيازات التي تحصل عليها الشركات بحجم مساهمتها في خلق وظائف ذات قيمة حقيقية.

والمسؤولية تقع أيضاً على الشركات التي تستفيد من مناخ الاستثمار والحوافز والتسهيلات، فإذا كانت قطاعات صناعية كبرى تستقطب استثمارات ضخمة وتحتاج إلى آلاف العمال المهرة، فعليها أن تكون شريكاً في بناء مستقبل الشباب لا مجرد مستفيد من اليد العاملة الرخيصة.

والدولة بدورها مطالبة بربط الامتيازات الممنوحة للمستثمرين بمؤشرات واضحة في الأجور والتكوين والتشغيل ونقل الخبرة، لأن ترك شاب متخصص يعمل بأجر ضعيف ثم مطالبته بعدم التفكير في الهجرة يشبه مطالبة شخص بإغلاق باب مفتوح أمامه بينما كل الظروف تدفعه إلى العبور، والهجرة في هذه الحالة تصبح نتيجة لأزمة اقتصادية واجتماعية وليست مجرد قرار فردي معزول عن السياق.

إن ملف سبتة يحتاج إلى لجنة تحقيق حقيقية لا إلى بيانات سياسية متبادلة، لجنة تبحث في كل شيء من لحظة تجمع المهاجرين إلى لحظة عبورهم، ومن الجهات التي حركتهم أو سهلت وصولهم إن وجدت، إلى مسارات نقلهم وإيوائهم وتسوية أوضاعهم، ومن استفاد اقتصادياً وسياسياً وإعلامياً من الأزمة.

ومن جهة أخرى يجب التحقيق في كل شهادة خبرة أو وثيقة إدارية استعملت لتسهيل خروج الشباب أو تشغيلهم في الخارج إذا كانت هناك شبهة تزوير أو إصدار غير قانوني، لأن الحقيقة لا تخاف من التحقيق، والذي يملك رواية سليمة عليه أن يضع الوثائق أمام الرأي العام بدل الاكتفاء بالاتهامات.

فالمطلوب ليس صناعة عدو جديد ولا تحميل المغرب أو إسبانيا وحدها المسؤولية، وإنما كشف شبكة المصالح والقرارات التي جعلت من أزمة الشباب والهجرة ملفاً مفتوحاً على كل الاحتمالات.

إن أخطر ما في قضية سبتة ليس عدد الذين عبروا الحدود، وإنما أن تتحول هجرة الشباب إلى سوق سياسية واقتصادية يستفيد منها الجميع تقريباً بينما يدفع الشاب وحده الثمن، فإسبانيا تحتاج إلى اليد العاملة، والمغرب يحتاج إلى تحويلات المهاجرين وتخفيف ضغط البطالة، والشركات تبحث عن العمال، والسياسيون يبحثون عن ملف انتخابي، والوسطاء يبحثون عن المال، أما الشاب فيبقى الحلقة الأضعف بين هذه المصالح كلها، ولذلك فإن عنوان المعركة الحقيقي ليس الهجرة وحدها وإنما كرامة الإنسان وفرصة العمل والعدالة في توزيع الثروة.

وإذا كانت هناك جهات دبرت أو سهلت أو استغلت موجة الهجرة فعليها أن تواجه التحقيق والمساءلة بالأدلة، وإذا لم تكن هناك مؤامرة فعلى من يروج لهذه الفرضية أن يقدم أدلته، وفي الحالتين يبقى السؤال الذي لا يمكن الهروب منه هو من المستفيد ومن يدفع الثمن.

 

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك