بقلم: نعيم بوسلهام
من «كلنا إسرائيليون» إلى دعم المنصوري.. هل أصبح الموقف من
إسرائيل جزءاً من معركة رئاسة الحكومة؟
قبل أيام قليلة من اقتراع 23 شتنبر، نقل عبد الإله بنكيران،
الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، المواجهة الانتخابية مع حزب الأصالة
والمعاصرة إلى مستوى أكثر حساسية، بعدما جعل من علاقة الحزب بالإعلامي والناشر
أحمد الشرعي مدخلاً لطرح سؤال سياسي يتعلق بموقف «البام» ومرشحته المحتملة لرئاسة
الحكومة من إسرائيل والتطبيع.
في مهرجان خطابي بتارودانت، يوم السبت 19 شتنبر، استحضر
بنكيران مقالاً سابقاً للشرعي حمل عنوان «كلنا إسرائيليون»، وربط بين صاحبه وبين
الدعم الذي أعلنته مجموعته الإعلامية لمشروع وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى
رئاسة الحكومة. ثم خاطب المنصوري بوضوح، مطالباً إياها باتخاذ مسافة من الشرعي،
ومعتبراً أن عدم تبرؤها منه قد يجعله، وفق تعبيره، «يفهم أنها مرشحة إسرائيل»
لرئاسة الحكومة. كما ذهب إلى وصف «البام» بـ«حزب المتصهينين والصهيونية في
المغرب».
بهذا المعنى، لم يطلق بنكيران اتهامه في فراغ، وإنما أقام
بناءً سياسياً محدداً: شخص معروف بموقف معلن تجاه إسرائيل يعلن دعمه لحزب ومنسقته،
فهل يمكن أن يظل هذا الدعم منفصلاً تماماً عن مواقفه السياسية والفكرية؟
ذلك هو السؤال الحقيقي الذي وضعه بنكيران على الطاولة.
لكن السؤال السياسي لا ينهي الجدل، بل يفتحه.
فالمنصوري ردت برفض تحميلها أو تحميل حزبها مسؤولية مواقف
الآخرين، مؤكدة أن موقف «البام» من القضية الفلسطينية معروف من خلال بياناته
ومواقفه الرسمية. وهذا الرد ينقل النقاش بدوره إلى مستوى أكثر تحديداً: هل العلاقة
السياسية أو الإعلامية بين الشرعي والبام تعني بالضرورة تبني الحزب لمواقفه من
إسرائيل؟ أم أن لكل طرف مواقفه المستقلة؟
فبنكيران لا يناقش مجرد مقال قديم للشرعي، وإنما يناقش دلالات
انتقال صاحب ذلك الموقف إلى إعلان دعم سياسي وإعلامي لحزب تقوده المنصوري. ومن هذه
الزاوية يصبح توقيت التصعيد مهماً: نحن أمام حملة انتخابية في أيامها الأخيرة،
وأمام تنافس على من سيقود الحكومة المقبلة، وبالتالي فإن استحضار إسرائيل وفلسطين
لا يمكن فصله عن الصراع على صورة المرشح أمام الناخب.
لكن في المقابل، لا يمكن منطقياً مساواة دعم شخص لحزب بتبني
الحزب تلقائياً لكل مواقفه. لذلك فإن المسؤولية السياسية تقع على الطرفين: على
بنكيران أن يوضح حدود العلاقة التي يستند إليها في خطابه، وعلى البام أن يوضح
للرأي العام بصورة لا لبس فيها موقفه من الشرعي ومواقفه من إسرائيل والتطبيع.
والمسألة هنا ليست تقنية ولا هامشية. فحين يقول بنكيران إن
المنصوري قد تكون «مرشحة إسرائيل»، فإنه لا يوجه مجرد انتقاد انتخابي، بل يضع
منافسته السياسية أمام اتهام شديد الحساسية، ويحول موقفها من شخصنة إعلامية إلى
اختبار سياسي وأخلاقي أمام الناخبين.
وفي المقابل، فإن رفض المنصوري تحمل مسؤولية مواقف الآخرين لا
يجيب بالضرورة عن السؤال الأوسع: ما حدود التقاطع السياسي والإعلامي بين البام
والجهات التي تدعمه؟ وهل توجد مسافة واضحة بين الحزب وبين خطاب «كلنا إسرائيليون»
الذي يستحضره بنكيران؟
وهنا تحديداً تصبح القضية أكبر من مجرد مشادة انتخابية.
ففلسطين وإسرائيل والتطبيع ليست ملفات عابرة في الوعي السياسي
المغربي، كما أن توظيفها في اللحظات الأخيرة من الحملة الانتخابية يحمل بالضرورة أثراً
انتخابياً. ومن حق العدالة والتنمية أن يجعل رفض التطبيع جزءاً من خطابه، ومن حق
البام أن يقدم رؤيته، لكن الناخب يحتاج إلى التمييز بين موقف الحزب الرسمي، وموقف
الشخص الداعم له، والاستنتاج السياسي الذي يبنيه الخصم على العلاقة بينهما.
المفارقة أن بنكيران، وهو يهاجم «الصهيونية» داخل المشهد
السياسي المغربي، يعيد القضية الفلسطينية إلى قلب المنافسة الانتخابية، ولكن هذه
المرة ليس بوصفها ملفاً من ملفات السياسة الخارجية، وإنما باعتبارها معياراً للحكم
على هوية الخصم السياسي نفسه.
وهنا يصبح السؤال الأكثر أهمية:
هل نحن أمام مجرد دعم إعلامي وانتخابي لحزب الأصالة
والمعاصرة، أم أمام تقاطع سياسي وفكري أوسع مع خطاب يدافع عن إسرائيل؟
هذا السؤال لا تجيب عنه الشتائم السياسية ولا الشعارات
الانتخابية، وإنما مواقف الأطراف نفسها، ووثائقها، وتصريحاتها، وحدود علاقاتها.
وفي جميع الأحوال، فقد نجح بنكيران في نقل المعركة الانتخابية
من سؤال البرامج والحصيلة إلى سؤال أكثر حساسية: من يقف مع فلسطين، ومن يقف مع
إسرائيل؟
ويبقى على «البام» أن يجيب سياسياً عن هذا السؤال، لا لأن
بنكيران يفرض عليه الإجابة، وإنما لأن دخول اسم إسرائيل إلى قلب المنافسة على
رئاسة الحكومة يجعل الصمت أو العموميات أقل قدرة على إنهاء الجدل.
أما بنكيران، فقد اختار بوضوح أن يجعل من هذه القضية إحدى آخر
أوراقه في الحملة.
والناخب وحده سيقرر ما إذا كانت هذه الورقة ستبقى مجرد سلاح
انتخابي، أم ستتحول إلى سؤال سياسي أعمق حول اتجاهات الأحزاب المغربية وحدود
علاقاتها ومواقفها في زمن أصبحت فيه القضية الفلسطينية واحدة من أكثر القضايا قدرة
على إعادة رسم الاصطفافات السياسية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك