بقلم : ذ . سعيد الكحل
كشفت الاحتجاجات التي شهدتها فرنسا وإسبانيا وإيطاليا خلال أكتوبر
2026 أن الاضطرابات الاجتماعية لم تعد ظاهرة محصورة في الدول النامية أو في
المجتمعات التي تواجه اختلالات بنيوية في مسار التنمية.
فقد أصبحت الدول الأوروبية نفسها أمام ضغوط متزايدة بفعل ارتفاع
تكاليف المعيشة، وأزمة السكن، وتراجع القدرة الشرائية، والضغط على الخدمات
العمومية، واتساع المسافة بين انتظارات الشباب والسياسات الحكومية. ولم تعد هذه
الاختلالات مجرد مؤشرات اقتصادية واجتماعية، بل تحولت إلى عوامل تغذي الاحتقان
وتضع المؤسسات السياسية والأمنية أمام اختبارات متجددة. فقد شهدت فرنسا مثلا، أعمال
عنف ممنهج خرج عن السيطرة في عدد من المدن، خاصة العاصمة باريس، مما دفع فعاليات مدنية وصحفية فرنسية إلى رفع
الصوت بسبب عجز الشرطة عن احتواء الاحتجاجات وحماية الممتلكات.
أبرزها رسالة الكاتبة والصحفية فرانس كول (France
Colle)،
في 23 أكتوبر 2026، إلى وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز (Laurent Nunez) تروي شهادة تاجر باريسي اتصل بالشرطة بعد نهب
محله فأجابوه بعد 20 دقيقة: "نحن غارقون، دبروا أموركم بأنفسكم". إذ خاطبت
الوزير بلهجة قاسية: "أنتم متجاوزون، أعتقد أنكم ستكونون متجاوزين حتى من قبل
قطيع من 20 خروفاً في حقل!"
اعتراف فرنسي بتميز النموذج
الأمني المغربي.
تكتسب رسالة فرانس كول أهمية تتجاوز لغتها
النقدية، لأنها تطرح سؤالاً عملياً بشأن إمكان استفادة أجهزة الأمن الأوروبية من
الخبرة المغربية لتدارك العجز. فقد دعت الكاتبة الفرنسية إلى إرسال عناصر من
الشرطة الفرنسية إلى المغرب للتدريب، مستندة إلى ما وصفته بضعف قدرة السلطات
الفرنسية على حماية بعض المتاجر والممتلكات خلال أحداث 17 أكتوبر. فالرسالة تقرّ
أن "النظام الأمني المغربي يعتمد على أكثر التقنيات تقدماً... الشرطة
المغربية هي الرائدة عالمياً في مجال مكافحة الإرهاب... شرطة نخبة مدربة تدريباً
عالياً، عكس الشرطة التي لدينا في فرنسا تماماً."
والأهم في الرسالة هو خلاصتها العملية التي
جاء فيها: "في عام 2024، استعانت فرنسا بالشرطة المغربية لحماية باريس خلال
الألعاب الأولمبية... الشرطة المغربية - التي تفوق التميز - جاءت ولم يقع أي
حادث!... أنت تعرف أن النظام الأمني المغربي هو النموذج العالمي... إذن أرسلوا
بشكل عاجل رجال الشرطة الفرنسيين للتدريب في المغرب لأنه إن لم تفعلوا، فإن فرنسا
ستموت!" وإذا كانت الصحفية فرانس كول صدحت بحقيقة
التميز والتفوق الأمني المغربي، فإن الأبواق الصحفية المعادية للمغرب والتي لا تكف
عن النفخ في الرماد وتضخيم الأحداث مهما كانت تافهة خدمة لأجندات مموليها، بلعت
ألسنتها إزاء الاحتجاجات التي فجرتها الأوضاع الاجتماعية المتأزمة في عدة دول
أوروبية وما رافقها من عنف وتخريب.
"الاحتواء
والاستباق" مقابل "المواجهة والصد".
لا شك أن الفرق الجوهري بين النموذجين
الأمنيين يكمن في أن الشرطة الفرنسية تعتمد عقيدة "المواجهة والصد"،
بينما تعتمد الشرطة المغربية عقيدة "الاحتواء والاستباق". فالمغرب يملك عناصر مهمة تجعل تجربته جديرة بالدراسة، بالنظر إلى ما
راكمه في مجال مكافحة الإرهاب، وتأمين التظاهرات الكبرى، والتنسيق بين الأجهزة،
وتطوير قدرات الاستعلام والتحليل. كما أن مشاركته في التعاون الأمني المرتبط بمونديال
قطر وأولمبياد باريس 2024 ومونديال أمريكا 2026، تعكس وجود أرضية عملية لتبادل
الخبرات بين الدول.
جدير بالتذكير أن معيار الكفاءة الأمنية ليس
كثافة الانتشار وحدها، ولا عدد الاعتقالات، ولا المظهر الصارم للتدخل، بل القدرة
على التمييز بين المحتج السلمي والمعتدي، وحماية المواطنين، ومنع تفاقم العنف بأقل
قدر ممكن من القوة. وعندما تتعرض المحلات التجارية والممتلكات الخاصة للاعتداء،
فإن المسؤولية الأمنية تقتضي التدخل الفعال والمتناسب، لا ترك السكان يواجهون
الخطر وحدهم. وقد أظهرت أحداث 17 أكتوبر في فرنسا، أن كثافة الانتشار الأمني لا
تضمن بالضرورة السيطرة على جميع بؤر الاضطراب، خصوصا عندما تتوزع المواجهات على
مدن وأحياء متعددة، وتتحرك مجموعات صغيرة بصورة سريعة، وتستخدم شبكات التواصل
لتبادل المعلومات وتحديد المواقع المستهدفة. فالأمن العام ليس مسألة معدات وأعداد
فقط، وإنما منظومة متكاملة تشمل الاستعلام والتخطيط والتكوين والتواصل وتحديد
المسؤوليات.
ومن حسنات الأحداث الفرنسية أنها كشفت
للفرنسيين تورط المخابرات الجزائرية في قيادة حملات تضخيم وتضليل رقمي انطلقت من
شبكات مرتبطة بهيئات جزائرية بهدف استغلال الأزمة الاجتماعية الفرنسية لتعميق
الانقسامات وتأجيج الاحتجاجات (تقرير صحيفة فاينانشل تايمز ليوم 21 أكتوبر، مذكرة
جهاز VIGINUM
الفرنسي كشفت شبكة حسابات مرتبطة بهيئات جزائرية تابعة لوزارة الدفاع الجزائرية
نشرت مضامين متزامنة مع الاحتجاجات لتأجيجها).
كما اتهم الكاتب والمتخصص الفرنسي في شؤون الاستخبارات فانسون كروزيت (Vincent
Crouzet)، لقناة LCI في 25 أكتوبر 2026، أجهزة الاستخبارات الجزائرية بالتلاعب بحراك «جيل
زد» في المغرب. وقال "يجب أن نأخذ المغرب مثالا، حيث تم التلاعب بهذه الحركة
من قبل أجهزة المخابرات الجزائرية". نفس المعلومة كشف عنها تقرير لموقع H24info بوجود حسابات محرضة على العنف في المغرب أكدت تحليلات خبراء في الأمن
السيبراني أنها تُدار من الجزائر وكندا ودول أخرى، وإن بعضها استخدم هويات توحي
بأنها تمثل شباباً مغاربة. وربط التقرير بين بعض
هذه الحسابات ونشر دعوات للعنف والتخريب. لكن الأمن المغربي بفضل خبراته العالية
نجح في مواجهة تلك الاحتجاجات واحتوائها وإفشال المخططات التخريبية التي حرض عليها
أعداء الوطن وخونته في الداخل والخارج خدمة للأجندات الخارجية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك