بقلم : أحمد الطلحي/خبير في البيئة والتنمية
في أواخر عام 2013 وخلال رحلة علمية إلى مدينة قرطبة الإسبانية مع
طلبتنا من جامعة عبد المالك السعدي (ماستر السياحة والتنمية البشرية)، قام زملاؤنا
الإسبان في جامعة قرطبة وأطر من وزارة السياحة بالمدينة بتنظيم زيارة لنا إلى مأوى
سياحي في ضواحي المدينة. وهذا المأوى كان ضمن سلسلة من المآوي السياحية التي أغلب
زبنائها من السواح المولعين بتتبع هجرة الطيور التي تمر فوق الأراضي الإسبانية
قادمة من شمال أوروبا في اتجاه القارة الإفريقية. وكل سائح من هؤلاء السواح تجده
مجهزا بمنظار وكاميرا ورادار، ويتنقل من منطقة إلى أخرى في مسار رحلة هذه الطيور.
وتم إخبارنا بأن بعض السواح يتبعون رحلة الطيور التي في حيازتهم في ضيعاتهم. وهذه
المآوي مجهزة بمراصد وتوفر كل ما يحتاجه نزلاؤها.
وعند عودتنا من هذه الرحلة قام أحد طلبتنا بإعداد بحث تخرجه حول هذا
النوع من المشاريع السياحية، وكان ينوي فعلا بعد التخرج أن ينجز المشروع في شمال
المملكة، لكنه للأسف لم يتلق أي دعم من أجل تنفيذ المشروع.
وقرأت اليوم مقالا حول الموضوع في موقع الجزيرة نت، ومما جاء فيه:
" يجذب قطاع مراقبة الطيور ملايين المتحمسين سنويا، ويُعد من أسرع قطاعات
السياحة البيئية نموا. ووفقا لتقرير صادر عن موقع غراند فيو ريسيرش، بلغ حجم سوق
سياحة مراقبة الطيور نحو 66.2 مليار دولار عام 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى 95.2
مليار دولار بحلول عام 2030. ويعود هذا النمو إلى ارتفاع الوعي البيئي، وتزايد
الإقبال على أنماط السفر المستدامة إلى وجهات غنية بالتنوع البيولوجي للطيور، مثل
كوستاريكا وكينيا وماليزيا ومصر. ولا تمثل هذه السياحة موردا اقتصاديا مهما
للمجتمعات المحلية فحسب، بل تتيح أيضا فرصا استثنائية لاكتشاف نظم بيئية متنوعة
وغنية"(*).
وتساءلت، بعد قراءتي للمقال، عن عدم استفادة المغرب من هذا النوع من
السياحة البيئية، وهو الذي أصبح أول وجهة سياحية في إفريقيا باستقباله حوالي 20
مليون سائحا في عام 2025، كما أنه يحتل الرتبة الثانية في حوض المتوسط بعد تركيا
من حيث غنى التنوع البيولوجي.
وبالنسبة للطيور المهاجرة، فالمغرب يعتبر أهم منطقة لعبور الطيور
المهاجرة بين قارتي أوروبا وإفريقيا، لأنه يقع على مضيق جبل طارق الذي يفصل
القارتين بمسافة قصيرة تصل في بعض المواقع إلى 14 كلم فقط. ويقدر عدد أنواع الطيور
المهاجرة بحوالي 334 نوعا. وخلال عبورها للأراضي المغربية، في رحلتي الذهاب
والإياب، تتخذ عددا كبيرا من المناطق الرطبة والغابوية كمحطات للاستراحة، بدء من
غابة رأس سبارطيل في طنجة إلى خليج الداخلة، مرورا بتهدارت واللوكوس والمرجة
الزرقا وسيدي بوغابة وسيدي موسى والوليدية وسوس ماسة وأخنيفس، وغيرها من المناطق
الطبيعية.
وهذه المناطق الطبيعية، منها ما هو عبارة عن محمية طبيعية مصنفة
عالميا كمحمية المحيط الحيوي العابرة للقارات في البحر الأبيض المتوسط المشتركة
بين المغرب وإسبانيا الفريدة من نوعها والممتدة على مليون هكتار والتي حظيت
باعتراف اليونسكو في عام 2006، وكالمناطق الرطبة المصنفة وفق اتفاقية رامسار.
ومنها ما هو مصنف وطنيا كمواقع ذات أهمية بيولوجية وإيكولوجية، كما بدأ التصنيف
لها وفق قانون 22.07 المتعلق بالمناطق المحمية.
لكن، للأسف الشديد، لا تزال بعض هذه المناطق الطبيعية تتعرض لعدد من
الضغوط والاعتداءات، والنموذج البارز هو منطقة رأس سبارطيل في مدينة طنجة، التي
تعرضت لمرات عديدة لحرائق كبيرة، بالإضافة إلى مخاطر التعمير الذي بدأ يكتسح
المناطق المحاذية لها. وهي المحطة الأولى في سلسلة محطات استراحة الطيور المهاجرة.
لذلك، ما فتئت شخصيا مع عدد من الغيورين على التراث الطبيعي، ننادي بالحماية
القانونية للمنطقة من خلال قانون المناطق المحمية وبالحماية العقارية من خلال
حيازة أراضيها من قبل جماعة طنجة والوكالة الوطنية للمياه والغابات (**).
مسارات هجرة الطيور من وإلى إفريقيا
ختاما، وبالنظر لما يتوفر عليه المغرب على كل هذه المؤهلات الطبيعية،
وعلى بنيات ومرافق سياحية مهمة، فإنه على الهيئات العمومية المختصة، خصوصا وزارة
السياحة والوكالة الوطنية للمياه والغابات ومجالس الجهات، إعطاء العناية والاهتمام
اللازمين لهذا النوع من السياحة البيئية، حتى نستقطب فئات جديدة من السواح، وحتى
يكون لنا نصيب معتبر من ال95 مليار دولار المرتقب تحصيلها عالميا من هذا القطاع
السياحي في أفق 2030.
الهوامش:
(**) انظر كتبي التي لها علاقة
بالموضوع:
- التراث الطبيعي لطنجة، الصادر في عام
2023
- السلوقية
أولا: قصة نضال لإنقاذ محمية طبيعية، الصادر في عام 2024
- قصتي مع
التراث: مقاطع من السيرة الذاتية للمؤلف التي لها علاقة بالتراث، الصادر في عام 202
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك