أنتلجنسيا:أبو آلاء
كشف عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، عن دخول المؤسسات المالية المغربية مرحلة يقظة استثنائية، عبر إطلاق آلية تنسيق عاجلة مع وزارة الاقتصاد والمالية، بهدف مراقبة الارتدادات السريعة للحرب المشتعلة في الشرق الأوسط على توازنات الاقتصاد الوطني.
هذا التحرك، الذي يجسد انتقال الدولة من منطق الترقب إلى منطق التدبير الاستباقي، يعتمد على خلية مشتركة تشتغل بشكل متواصل لتبادل المعطيات بشكل فوري، ما يسمح باتخاذ قرارات آنية مبنية على الوقائع وليس على التخمينات. فالمعادلة لم تعد اقتصادية صرفة، بل أصبحت رهينة تطورات جيوسياسية متقلبة يصعب ضبط إيقاعها.
في قلب هذا المشهد، تبرز المخاوف المرتبطة بسوق الطاقة، حيث يشكل الدور المحوري لـإيران في إنتاج النفط أحد أبرز عوامل القلق. أي اضطراب في الإمدادات أو إغلاق محتمل لـمضيق هرمز كفيل بإشعال أسعار المحروقات عالمياً، وهو سيناريو قد ينعكس مباشرة على التضخم داخل المغرب، ويضغط على القدرة الشرائية للمواطنين وسلاسل الإنتاج.
الجواهري لم يُخفِ حجم الضبابية، مؤكداً أن العالم يعيش على وقع “لايقين حاد”، حيث تتغير المعطيات بين ساعة وأخرى، في سياق تهيمن عليه حرب التصريحات والتصعيدات المتسارعة. هذا الواقع يجعل النماذج الاقتصادية التقليدية عاجزة عن تقديم إجابات دقيقة، لأن القرار النهائي لم يعد بيد الاقتصاديين، بل بيد الفاعلين السياسيين والعسكريين الذين يرسمون مسار الصراع.
ورغم هذا الغموض، فإن المؤسسات المغربية تشتغل على سيناريوهات متعددة، من بينها فرضية استمرار التوتر لعدة أشهر، مع ما يعنيه ذلك من ارتفاع متواصل في أسعار الطاقة واضطراب في الأسواق الدولية. الهدف، وفق المقاربة الرسمية، هو احتواء الصدمة قبل أن تتحول إلى موجة تضخمية جديدة قد تعصف بالتوازنات الماكرو-اقتصادية.
في المقابل، يعوّل المغرب على تجربة تراكمية في تدبير الأزمات، من تداعيات جائحة كورونا إلى موجات الجفاف والتقلبات الدولية، وهي خبرة تُترجم اليوم في اعتماد مقاربة هادئة ولكن يقِظة، توازن بين التدخل عند الضرورة وتفادي القرارات المتسرعة التي قد تكلف الاقتصاد أثماناً باهظة.
ضمن هذا الإطار، يظل خيار اللجوء إلى صندوق النقد الدولي عبر الخط الائتماني الاحترازي ورقة جاهزة عند الحاجة، رغم تأكيد المسؤولين أن احتياطات العملة الصعبة ما تزال في مستويات مريحة. كما يستمر التنسيق مع البنوك المركزية العالمية لتبادل الرؤى حول التحولات الاقتصادية الكبرى، في انتظار معطيات دولية جديدة قد تعيد ضبط التوقعات.
الرسالة التي تحملها هذه التطورات واضحة: المغرب يدخل مرحلة دقيقة تتطلب توازناً دقيقاً بين الحذر والجاهزية. فبين نار الجغرافيا السياسية وتقلبات الأسواق، لم يعد الرهان فقط على الصمود، بل على القدرة على التكيف السريع مع عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، حيث يمكن لقرار سياسي في منطقة بعيدة أن يهز استقرار اقتصاد بأكمله.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك