كلمات.. في عرشان وما قاله لنا المرحوم الحلاوي بشأنه حيث كان من عاداته التبول على وجوهنا

كلمات.. في عرشان وما قاله لنا المرحوم الحلاوي بشأنه حيث كان من عاداته التبول على وجوهنا
أقلام حرة / الأربعاء 28 أكتوبر 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم : د . أحمد ويحمان

        الكلام عن سنوات الرصاص ليس حكايات عن ماضٍ بعيد، وليس كل ما يُستحضر من ذلك الماضي مجرد نبش في ذاكرة أريد لها أن تُطوى. فهناك شهادات لا تفقد راهنيتها، لأنها تتصل بالحقيقة والكرامة والعدالة، وهي استحقاقات ما تزال على رأس جدول أعمال كل الحرائر والأحرار، ولأن أصحابها لم ينقلوا إلينا مجرد وقائع تاريخية، بل تركوا أمانة في أعناقنا، تقتضي ألا ننسى وألا نسمح بتبييض ما جرى أو بالتعامل مع جلادي الأمس وكأن شيئاً لم يكن.

ولعل هذا ما جعلني أعود، وأنا أتابع تصريح محمود عرشان الأخير في البرلمان، وحواره مع الصحفي حميد المهداوي بشأن عودته إلى واجهة النقاش العام، إلى شهادة سمعتها مباشرة من المقاوم والحقوقي المرحوم إبراهيم أمسليل الحلاوي، أحد رفاق القائد المقاوم الشهيد شيخ العرب، سيدي حماد أوبراهيم فوزي أوݣليز. وهي شهادة ظلت راسخة في ذاكرتي، بما حملته من تفاصيل صادمة عن بعض ما تعرض له المعتقلون في سنوات الجمر والرصاص، وبما تكشفه عن الوجه الإنساني والأخلاقي المظلم لتلك المرحلة.

ولست أكتب اليوم بصفتي مؤرخاً يستعيد وقائع من بطون الكتب، ولا صحفياً ينقل عن مصادر متباعدة؛ إنما أكتب بصفتي شاهداً على شهادة أدلى بها أمامي رجل يحترمه لمصداقيته الجميع و خبر الاعتقال والتعذيب، وحمل آثار تلك التجربة في جسده حتى وفاته، وكان من واجبنا، نحن الذين استمعنا إليه، ألا نترك ما رواه يضيع في زحام الأيام.

حكاية اللجنة الوطنية ودروس الذاكرة

       قبل نحو ثلاثة عقود، وفي سياق الاهتمام بأوضاع المقاوم و المختطف السابق أحمد جوهر أباعقيل، الملقب بـ«الشيفور»، بعدما تدهورت حالته الصحية والاجتماعية، تأسست لجنة وطنية لدعمه ومساندته. وكنت واحداً من أعضائها، إلى جانب ثلة من الحقوقيين والمناضلين والمقاومين الذين جمعتهم قضية رجل لم يكن من المقبول أن يُترك لمصيره بعد ما عاشه من محن.

أذكر من أعضاء تلك اللجنة الدكتور عبد الكريم المانوزي، شقيق المختطف الشهيد حسين المانوزي، والدكتور جبيهة عمر، شقيق المختطف الشهيد جبيهة رحال، والمناضل إسماعيل المومني، من قدماء الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ووالد المناضل الحقوقي فؤاد عبد المومني، والمناضلين مصطفى قاسو وصلاح الوديع وعبد الحق مصدق، فضلاً عن المقاوم والحقوقي إبراهيم الحلاوي، وعبد ربه الفقير إلى رحمة الله، كاتب هذه السطور.

وكانت اجتماعات اللجنة مناسبة، إلى جانب انشغالنا بأوضاع «الشيفور» ومحاولة مساعدته، للاستماع إلى الحلاوي وهو يستعيد بعضاً من فصول المحنة التي عاشها رفاقه في المعتقلات السرية والعلنية. كان يتحدث عن الاختطافات، وعن التعذيب وأساليبه الوحشية، وعن تصفية بعض رفاقهم، وعن ممارسات حاطة بالكرامة الإنسانية، لا يمكن أن يستوعب فظاعتها من لم يعشها أو يسمع تفاصيلها من أفواه من اكتووا بنارها.

كان يحدثنا عن جحيم درب مولاي الشريف، وعن سجن غبيلة بالدار البيضاء، وبولمهارز بمراكش، وحي الإعدام بالقنيطرة، وغيرها من المحطات التي مر بها المعتقلون في رحلة الألم والقهر. ولم تكن تلك الشهادات بالنسبة إلينا مجرد روايات عن ماضٍ انقضى؛ فقد كانت تذكيراً بأن وراء كل اسم في قوائم المعتقلين والمختطفين إنساناً، ووراء كل جسد معذَّب حياةً وأهلاً وذاكرةً وحقاً في الإنصاف.

     ولم يكن الحلاوي يتحدث من موقع المتفرج. فقد كان هو نفسه جريحاً، مصاباً برصاصتين في وركه، خلّفتا لديه عاهة مستديمة وعرجاً لازمه طوال حياته. كان جسده يحمل بعض آثار ما عاشه، وكانت ذاكرته تختزن تفاصيل أخرى لا تقل إيلاماً.

 محمود عرشان في شهادة إبراهيم الحلاوي

        ومن بين الأسماء التي وردت في أحاديث المرحوم الحلاوي اسم محمود عرشان.

أتذكر أنه حدثنا، في سياق كلامه عن بعض الجلادين الذين مروا بهم في المعتقلات، كالكوميسير الصايغ وزميله الكوميسير عرشان وعن سلوك هذا الأخير، الذي قال إن من عاداته، كلما عاد في آخر الليل من سهراته الماجنة، أن يمر على المعتقلين وهو مخمور، فيمارس عليهم طقوس الشتم والإهانة، قبل أن ينهيها، بحسب روايته، بفتح سرواله والتبول على وجوههم، وهم مقيدو الأيدي ومعصوبو الأعين.

وكانت العبارة التي نقلها لنا الحلاوي، وهو يستعيد ذلك المشهد المهين، قاسية في معناها، موجعة في دلالتها، ولا تزال عالقة بذاكرتي:

«كان من عاداته التبول على وجوهنا».

أيُّ إذلال هذا الذي يمكن أن يتعرض له إنسان أعزل، مقيد اليدين، معصوب العينين، لا يملك حتى القدرة على حماية وجهه؟ وأيُّ معنى يبقى للحديث عن النظام والقانون والأمن، حين تتحول السلطة على جسد المعتقل إلى مناسبة لإهدار كرامته واستباحة إنسانيته؟

لم تكن المسألة، في ما حكاه لنا المرحوم، مجرد تعذيب جسدي أو انتزاع اعترافات؛ بل كانت، كما بدت لنا من شهاداته، سعياً إلى كسر الإنسان وإذلاله، وإشعاره بأنه فقد كل حق، حتى حقه في الحد الأدنى من الكرامة الآدمية.

      وأنا أورد هذه الواقعة اليوم، لا أدعي أنني عاينتها بنفسي، ولا أقدمها باعتبارها حكماً قضائياً صادراً في حق المعني بالأمر. إنني أنقل شهادة سمعتها مباشرة من رجل عاش الاعتقال والتعذيب، وأضعها أمام الرأي العام باعتبارها جزءاً من الذاكرة الحقوقية التي ينبغي توثيقها وفحصها، لا تجاهلها أو محوها من الوعي الجماعي.

ومما زاد هذه الشهادة حضوراً في ذهني أن محمود عرشان نفسه ذكر إبراهيم الحلاوي بالاسم، خلال حواره مع الصحفي حميد المهداوي، في معرض جوابه عن أحد الأسئلة. وهكذا عاد اسم الرجل الذي حدثنا عن معاناته إلى التداول، فعادت معه إلى ذاكرتي تلك الجلسات القديمة، وأحاديثه عن المعتقلات وما كان يتعرض له رفاقه فيها.

   وللعلم، فإن تجربة المرحوم إبراهيم الحلاوي لم تكن مجهولة تماماً؛ فقد جرى توثيق جانب منها في حوار مفصل نشرته جريدة «النشرة»، التي كان يديرها الصديق، المناضل محمد الساسي، وكنت من أجريت هذا الحوار أواخر تسعينيات القرن الماضي، تناول المرحوم فيه تجربته مع شيخ العرب، وسنوات السجون والمعاناة. وهو ما يجعل من الضروري العودة إلى هذا الأرشيف الصحفي، وإلى سائر الشهادات والوثائق ذات الصلة، حتى لا تظل الذاكرة رهينة ما يستحضره هذا الطرف أو ذاك في لحظة سياسية عابرة.

 من حق الضحايا أن تُسمع شهاداتهم

         إن استحضار شهادة الحلاوي ليس تصفية حسابات مع الماضي، ولا استهدافاً لشخص بسبب موقف سياسي؛ بل هو دفاع عن حق الضحايا في الذاكرة، وعن حق المجتمع في معرفة ما جرى، وعن ضرورة ألا تتحول المصالحة إلى وسيلة لإسكات الشهود أو إقبار الأسئلة التي لم تجد أجوبة شافية.

فالمصالحة، إذا أريد لها أن تكون ذات معنى، لا يمكن أن تقوم على النسيان القسري، ولا على إعادة تقديم صفحات الماضي وكأنها مجرد سوء تفاهم انتهى بانتهاء زمنه. إنها تقتضي الاعتراف بالحقيقة، وصون كرامة الضحايا، وترسيخ ضمانات عدم التكرار، حتى لا يصبح ما جرى قابلاً للاستعادة تحت أسماء جديدة أو في سياقات مختلفة.

    ومن هنا، فإن ظهور وجوه ارتبطت في ذاكرة الضحايا وشهاداتهم بسنوات الرصاص داخل مؤسسة يفترض أنها تمثل الشعب، يطرح أسئلة سياسية وحقوقية وأخلاقية لا يجوز القفز عليها. فالمؤسسات لا تستمد رمزيتها من جدرانها أو من صفاتها الدستورية وحدها، بل أيضاً من الرسائل التي تبعث بها إلى المجتمع، ومن قدرتها على احترام ذاكرته الجماعية وحقوق ضحاياه.

      إننا لا نطالب بإدانة أحد خارج القانون، ولا باستبدال التحقيق والتوثيق بالأحكام المسبقة. لكننا نرفض، في المقابل، أن تصبح صفة المؤسسة أو حصانة الموقع أو تقادم الزمن أسباباً لإسكات الشهادات، أو حواجز تحول دون مساءلة الماضي على أساس الحقيقة والقانون والإنصاف.

    لقد رحل إبراهيم الحلاوي، كما رحل غيره من المقاومين والضحايا والشهود، لكن رحيلهم لا يسقط حقهم في أن تُسمع أصواتهم، ولا يعفينا من مسؤولية نقل ما شهدوا به إلى الأجيال التي لم تعش تلك المرحلة.

ولأنني سمعت الحلاوي بنفسي، وسمعته بحضور ثلة من المناضلين الحقوقيين، لا يزال معظمهم على قيد الحياة، فإنني أعتبر نقل هذه الشهادة واجباً أخلاقياً وحقوقياً، لا أملك التنازل عنه، ولا أقبل أن يُختزل في مجرد سجال عابر حول ظهور هذا الشخص أو ذاك في الإعلام أو البرلمان.

     وتجذر الإشارة أن ما نحن بصدده هو بعض ما حكاه الضحايا .. أما إذا استحصرنا شهادات من ينطبق عليهم" وشهد شاهد من أهلها " كشهادة زميله الجلاد أحمد البخاري الذي اعترف بكل شيء، بما في ذلك جرائمه هو، فإن المرء حينها يكون بإزاء فظاعات لا يمكن معها القبول حتى بذكر هذه الأسماء، لاسيما ما يتعلق بالاغتصاب الممنهج للمعتقلين، وخصوصاً ما قال حول تخصص عرشان في هذا النوع القذر والأبشع من التعذيب !!!

 آخر الكلام

       إن ظهور محمود عرشان في البرلمان، في سياق ما أثاره تصريحه الأخير من نقاش حول ماضيه وصلته بسنوات الرصاص، لا يمكن فصله عن سؤال الذاكرة والإنصاف والمصالحة. فالمسألة ليست مجرد حضور شخص في مؤسسة دستورية، بل هي أيضاً ما يحمله ذلك الحضور من دلالات لدى الضحايا وذويهم، ولدى كل من انتظروا أن تكون المصالحة منعطفاً نحو القطع مع ممارسات الماضي وضمان عدم تكرارها.

        لقد قيل لنا إن المغرب فتح صفحة جديدة، وإن هيئة الإنصاف والمصالحة كانت تعبيراً عن إرادة سياسية لمعالجة إرث الانتهاكات وبناء مستقبل مختلف. لكن أي معنى لهذه الصفحة إذا عادت إلى الواجهة رموز تلاحقها، في ذاكرة الضحايا وشهاداتهم، أسئلة لم تُحسم بما يكفي من الحقيقة والإنصاف؟ وأي رسالة تصل إلى الأجيال الجديدة حين يبدو أن استحضار الماضي لا يستدعي بالضرورة مساءلته، وأن الذاكرة يمكن أن تُستدعى حيناً وتُهمَل حيناً آخر، بحسب مقتضيات اللحظة؟

     إن مثل هذا الظهور قد يُقرأ، لدى كثيرين، بوصفه تراجعاً عن الروح التي رافقت تجربة الإنصاف والمصالحة، بل وارتداداً عن الوعد الذي حملته بطي صفحة الانتهاكات على أساس الاعتراف بالحقيقة وصون الكرامة وضمان عدم التكرار. وقد يشعر الضحايا بأن الدولة تتراجع عن ذلك الأفق، أو بأن صفحة الماضي التي قيل إنها طُويت لم تُطوَ إلا على الورق.

وهنا يكمن جوهر السؤال: هل كانت المصالحة بداية مسار لا رجعة فيه نحو الحقيقة والإنصاف، أم مجرد قوس عابر في تاريخ الدولة، يمكن إغلاقه والعودة بعده إلى العادات القديمة؟

     إن التاريخ لا يُمحى بمرور الزمن، وكرامة الضحايا لا تسقط بالتقادم، والشهادات التي حملها إلينا الراحلون لا تموت برحيلهم.

وإذا كانت الدولة قد اختارت، في مرحلة سابقة، أن تعترف بوجود انتهاكات وأن تفتح ملفها، فإن الوفاء لذلك الاختيار لا يكون بالتراجع عن روحه، بل باستكمال ما بقي من أسئلة الحقيقة والإنصاف وضمانات عدم التكرار.

أما أن يشعر الضحايا بأن الذاكرة تُهان مرة أخرى، وأن ما تحملوه من آلام يمكن أن يُطوى بلا أجوبة، فذلك هو الخطر الذي ينبغي التنبيه إليه قبل فوات الأوان.

فهل نكون أمام عودة حليمة إلى عادتها القديمة، أم أن في وسع المغرب أن يثبت، بالفعل لا بالشعارات، أن المصالحة كانت التزاماً تاريخياً لا قوساً عابراً؟

ذلك هو السؤال الذي تطرحه علينا اليوم شهادة المرحوم إبراهيم الحلاوي، وذلك هو الحق الذي لا يجوز أن يُدفن معه.

     هذا وآخر دعوانا أن اللهم اسق عبادك وبهائمك !

 

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك